تعريف بالمؤلف ومقدمة الكتاب

شاطر

بنوتات
Admin

عدد المساهمات : 1896
تاريخ التسجيل : 03/11/2013
الموقع : alktaket2@gmail.com

تعريف بالمؤلف ومقدمة الكتاب

مُساهمة من طرف بنوتات في الخميس 06 ديسمبر 2018, 3:06 pm


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ تعريف بالمؤلف ] ●

بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
( وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ، وأمينه على وحيه ، وخيرته من خلقه ، وسفيره بينه وبين عباده ، المبعوث بالدين القويم ، والمنهج المستقيم ، أرسله الله رحمة للعالمين ، وإماماً للمتقين ، وحجةً على الخلائق أجمعين )(1)
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ آل عمران : 102] . { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } [ النساء : 1] . { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } [ الأحزاب : 70-71 ].
أما بعد : فإني أحمد الله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً على إنهاء العمل بهذا الكتاب العظيم "جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم " ، ذلك الكتاب المهم الذي يشرح أهم الأحاديث التي يحتاجها المسلم ؛ فهي أحاديث كلية في أصول الدين.
-------------------------
(1) من مقدمة زاد المعاد للعلامة ابن القيم 1/34 .
● [ الصفحة التالية ] ●
والكتاب قد طبع طبعاتٍ عديدة (1) واعتنى به عدد من الأفاضل من المختصين
بهذا الشأن فأردت أنْ أُشرك نفسي معهم في طبعةٍ متميزةٍ راجياً من الله أنْ ينفعني بها يوم الدين يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم .
وقد حققت الكتاب على نسخة خطية للكتاب تعود إلى عصر متأخر وقد تملكها الشيخ محمد أمين الشنقيطي . وقد اجتهدت في ضبط النص على النسخة الخطية مع الاستفادة من النسخ المطبوعة مع الرجوع إلى موارد المصنف من كتب السنة المشرفة. أما التخريج فقد أوليت عناية بالحكم على الأحاديث . وفيما يتعلق بالصحيحين فقد أحلت إلى صحيح البخاري بالجزء والصفحة على الطبعة الأميرية ثم أردفته برقم الحديث من فتح الباري ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ، وأحلت إلى صحيح مسلم بالجزء والصفحة للطبعة الإستانبولية ثم أردفته برقم الحديث من طبعة محمد فؤاد عبد الباقي ؛ وذلك لانتشار هذه الطبعات وتداولها . وأما التعليق على الأحاديث فقد شرحت بعض الغريب الذي لم يذكره المصنف وعلّقت على بعض الأشياء مما يحتاجه المسلم في حياته وعبادته وكان جُلُّ ذلك بالاعتماد على كتب أهل العلم ، وحكمت على الأحاديث بما يليق بها من صحة أو ضعف ، وقدمت للكتاب بمقدمة يسيرة كمدخل للكتاب سميتها : ( الحافظ ابن رجب وشيءٌ من سيرته العطرة ).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
-------------------------
(1) مما وقفت عليه من طبعات هذا الكتاب : طبعة مؤسسة الرسالة بتحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس ، وهي أفضل الطبعات السابقة . وقد قابلت الكتاب عليها ورمزت لها بالرقم
( ج ) وقد اعتمدت على الطبعة السابعة 1422 ه‍ ومما وقفت عليه طبعة دار ابن رجب في مصر عام 1423 ه‍ بإشراف مصطفى بن العدوي وطبعة المكتبة العصرية عام 1418 ه‍ بتحقيق الدكتور يوسف البقاعي ، وطبعة دار الحديث في القاهرة بتحقيق عصام الدين الصبابطي ، وطبعة دار الفرقان عام 1411 ه‍ بتحقيق الدكتور محمد عبد الرزاق الرعود.
● [ الصفحة التالية ] ●
الحافظ ابن رجب وشيءٌ من سيرته العطرة

توسع المحققون في دراسة حياة العالم الجليل ابن رجب الحنبلي رحمه الله ، فتناولته الأيادي بالبحث والاستقصاء ، حتى أثْرَوا مقدمات كتبه بتعريفات جمة عن هذا العالم المبجل ، لذلك آثرت أن لا أطيل الكلام في ذلك ، واكتفي بهذا المختصر عن حياته وآثاره.
● اسمه ونسبه وكنيته
هو الإمام الحافظ العلامة زين الدين عبد الرحمان بن أحمد بن عبد الرحمان بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي البغدادي ، ثم الدمشقي الحنبلي أبو الفرج ، المعروف بابن رجب(1) وهو لقب جده عبد الرحمان ، وقد طغت هذه النسبة على اسمه حتى لا يكاد يعرف إلا بها.
● مولده
اتفقت المصادر التي اطلعت عليها ، على أنَّ ولادة ابن رجب ، كانت في بغداد مدينة السلام في ربيع الأول سنة ست وثلاثين وسبعمئة ، وقدم دمشق مع والده فسمع من كبار العلماء هناك ، وقد أرخ الحافظ ابن حجر رحمه الله ولادته في سنة ست وسبعمئة (2) ، ولعله سبق قلم من الناسخ ، والله أعلم.
● أسرته ونشأته وطلبه للعلم
لم توفر المصادر التي بين أيدينا ، التفصيل الكامل عن أسرة هذا الإمام ، وبذلك أغفلت الكثير من الجوانب المهمة عن حياته ، بل قصارى ما عرفناه في هذه
المصادر ، هي أسطر قليلة قد ألقت الضوء على حياة جده أبي أحمد المعروف
برجب ، وحياة والده أبي العباس شهاب الدين أحمد ، ويبدو أنه ينحدر من أسرة علمية عريقة في العلم.
-------------------------
(1) انظر ترجمته في : ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي : 180 ، والدرر الكامنة لابن حجر 2/321 ، ووجيز الكلام للسخاوي 1/308 ، وطبقات الحفاظ للسيوطي ( 1170 )، وشذرات الذهب لابن العماد 6/339 ، وكشف الظنون لحاجي خليفة 1/59 ، والأعلام للزركلي 3/294 .
(2) الدرر الكامنة 2/321 .
● [ الصفحة التالية ] ●
أما جده عبد الرحمن فكل ما ذكره عنه حفيده ابن رجب هو قوله : ( قرئ على جدي أبي أحمد - رجب بن الحسن – غير مرة ببغداد وأنا حاضر في الثالثة والرابعة والخامسة : أخبركم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزار ، سنة ست وثمانين وستمئة ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي … عن سلمة بن الأكوع ، قال : سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار )(1). وهذا الخبر يدل على أن جده كان مهتماً بعلم الحديث ، ويقرأ عليه الناس .
وأما أبوه فهو الشيخ شهاب الدين أحمد ولد في بغداد وسمع من مشايخها ، ثم رحل مع أولاده إلى دمشق سنة أربع وأربعين وسبعمئة(2).
-------------------------
(1) الذيل على طبقات الحنابلة 2/213 –214 ، والحديث صحيح متواتر انظر تفصيل كثير من طرقه في تعليقي على شرح التبصرة والتذكرة 1/148 – 149 .
(2) شذرات الذهب 6/339.
● [ الصفحة التالية ] ●
ولما كان ابن رجب رحمه الله ينحدر من هذه الأسرة التي اهتمت بالعلوم والمعارف ، فقد نشأ نشأة علمية أهلته أن يكون في مصاف العلماء الكبار الذين صنعوا للإسلام أزهى أمجاده ، فذاع صيته وكثر مريدوه من كل البلاد ، وتنوعت فنونه . فكانت بداية طلبه للعلم في سن الصغر إذ رحل به والده إلى بلاد أخرى وحصل على إجازات من بعض المشايخ ، فأجازه ابن النقيب وغيره ، وسمع أيضاً من علماء مكة ومصر وغيرها ، وقيل : ( إنه اشتغل بسماع الحديث باعتناء والده(1) ) فقد كان إماماً في صناعة الأسانيد وفن العلل ، بالإضافة إلى أنَّه كان عالماً
بالفقه ، حتى صار من أعلام المذهب الحنبلي ، ويشهد لذلك ما خلفه من تراث ضخم في هذه العلوم ، وهكذا يكون أحد الجهابذة الذين جمعوا بين الحديث
والفقه ، مما أدى إلى انفتاح قرائح العلماء في الثناء عليه كما سيأتي ، إلا أنَّ هذه المنزلة الكبيرة التي بلغها هذا العالم لم تزده إلا صفاءً وخلقاً وتواضعاً فمالت إليه القلوب بالمحبة ، واجتمعت عليه الفرق ، وفي ذلك يقول ابن العماد : ( وكانت مجالس تذكيره للقلوب صارعة وللناس عامة مباركة نافعة ، اجتمعت الفرق عليه ومالت القلوب بالمحبة إليه (2) ) ، كيف لا وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها.
-------------------------
(1) شذرات الذهب 6/339 .
(2) شذرات الذهب 6/339 .
● [ الصفحة التالية ] ●
● وفاته
بعد رحلة طويلة وشاقة من الجهاد في خدمة هذا الدين العظيم ، استعد ابن رجب للقاء ربه الكريم ، بعد أن أفنى عمره في التأليف والتدريس ، والدفاع عن سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من خلال بيان صحيح الحديث وسقيمه ، واتباع منهج السلف الكرام رحمهم الله تعالى ، فوافاه الأجل سنة ( 795 ه‍ ) في شهر رمضان(1) بدمشق بأرض الحميرية ببستان كان استأجره، وصلي عليه من الغد كما قال ابن العماد (2) وخالف ابن حجر (3) والسيوطي (4) رحمهما الله فقالا : إن وفاته كانت في شهر رجب وشك أبو المحاسن الدمشقي فقال : ( في رجب أو رمضان (5) ) من ذلك نجد أنه لا خلاف بين العلماء في تقييد وفاته بعام ( 795 ه‍ ) ، إلا أنهم اختلفوا في شهر وفاته
ودُفن رحمه الله بالباب الصغير جوار قبر الشيخ الفقيه أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي ثم المقدسي الدمشقي المتوفى في ذي الحجة سنة ( 486 ه‍ (6) ).
قال ابن ناصر الدين الدمشقي : ( ولقد حدثني من حفر لحد ابن رجب أنَّ الشيخ زين الدين بن رجب جاءه قبل أن يموت بأيام فقال لي: احفر لي ها هنا لحداً ، وأشار إلى البقعة التي دفن فيها قال فحفرت له ، فلما فرغ نزل في القبر واضطجع فيه فأعجبه قال : هذا جيد ثم خرج ، وقال : فو الله ما شعرت بعد أيام إلا وقد أتي به ميتاً محمولاً في نعشه فوضعته في ذلك اللحد(7) فرحمك الله يا أبا الفرج ورزقك الفردوس الأعلى.
-------------------------
(1) انظر : وجيز الكلام للسخاوي 1/308 ، وشذرات الذهب لابن العماد 6/340 .
(2) شذرات الذهب 6/340 .
(3) الدرر الكامنة 2/322 .
(4) طبقات الحافظ ( 1170 ) .
(5) ذيل تذكرة الحفاظ : 181 .
(6) انظر : شذرات الذهب 6/340 .
(7) ذيل تذكرة الحافظ : 182 ، والدرر الكامنة 2/322 ، وشذرات الذهب 6/34.
● [ الصفحة التالية ] ●
● شيوخه
حرص ابن رجب رحمه الله على تلقي العلم من أفواه الرجال ، فطاف البلاد ورحل في الآفاق ، فسمع من البعض وأجازه البعض الآخر ، وكانت بداية رحلته في سن الصغر ، عندما رحل به والده من موطن ولادته بغداد قبة الإسلام وحاضرة الدنيا إلى دمشق ، ومن هناك بدأت رحلته في طلب العلم والتلقي عن الشيوخ فرحل إلى مصر ونابلس والحجاز والقدس ومكة والمدينة ، فأصبح له عدد غفير من
الشيوخ ، ونذكر هنا أبرز الشيوخ الذين أخذ عنهم وهم مرتبون حسب حروف المعجم ، وهم كما يلي:
1- داود بن إبراهيم بن داود بن يوسف بن سليمان بن سالم بن مسلم بن سلامة جمال الدين ابن العطار ( ت 752 ه‍ (1) ).
2- زين الدين أبو الفرج عبد الرحمان بن أبي بكر بن أيوب بن سعد ، أخو شمس الدين بن قيم الجوزية الحنبلي ، ذكره ابن رجب في مشيخته ، وقال : سمعت عليه كتاب "التوكل" لابن أبي الدنيا بسماعه على الشهاب العابر وتفرد بالرواية عنه (2).
3- عماد الدين أبو العباس أحمد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي ( ت 754 ه‍ ) (3).
4- فتح الدين أبو الحرم محمد بن محمد بن محمد بن أبي الحرم بن أبي طالب القلانسي الحنبلي ( ت 765 ه‍ (4) ).
5- محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي ( 748ه‍ (5) ).
6- الميدومي محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم بن عنان ، صدر الدين أبو الفتح ( ت 754 ه‍ (6) ).
7- ابن الخباز محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن بركات أبو عبد الله الأنصاري الخزرجي العبادي الدمشقي من ولد سعد بن عبادة ( ت 756 ه‍ (7) ).
-------------------------
(1) الدرر الكامنة 2/216، و شذرات الذهب 6/339 .
(2) شذرات الذهب 6/216 .
(3) ذيل طبقات الحنابلة 2/439.
(4) الدرر الكامنة 4/235 .
(5) الذيل على طبقات الحنابلة 2/441 .
(6) الدرر الكامنة 4/ 157 ، وطرح التثريب للعراقي 1/108 .
(7) الدرر الكامنة 3/384 ، وطرح التشريب 1/99 .
● [ الصفحة التالية ] ●
8- ابن شيخ السلامية حمزة بن موسى بن أحمد الحنبلي عز الدين أبو يعلى ( ت 769 ه‍ (1) ).
9- ابن قاضي الجبل أحمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي عمر المقدسي الحنبلي شرف الدين ( ت 771 ه‍ (2) ).
10- ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي الدمشقي شمس الدين الحنبلي ( ت 751 ه‍ (3) ).
11- ابن قيم الضيائية عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن نصر بن فهد الدمشقي ثم الصالحي الحنبلي المروزي العطار أبو محمد تقي الدين ( ت 761 ه‍ (4) ).
12- أبو الربيع علي بن عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبي الحسن بن
عبد الله البغدادي الحنبلي ( ت 742 ه‍ (5) ).
13- أبو سعيد العلائي خليل بن كيكلدي بن عبد الله الشافعي صلاح الدين
( ت 761 ه‍ (6) ).
14- أبو العباس أحمد بن محمد بن سليمان الحنبلي البغدادي(7) .
15- زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد المقدسية المعروفة ببنت الكمال ( ت 740 ه‍ (8) ).
-------------------------
(1) الدرر الكامنة 2/77 ، و المقصد الأرشد لابن مفلح 1/362 .
(2) الدرر الكامنة 1/120
(3) الدرر الكامنة 3/400 .
(4) الدرر الكامنة 2/283 .
(5) الدرر الكامنة 3/62 .
(6) الدرر الكامنة 2/90 ، وشذرات الذهب 6/190 .
(7) الذيل على طبقات الحنابلة 1/301 .
(8) الدرر الكامنة 2/117 .
● [ الصفحة التالية ] ●
● تلامذته
لما كان لهذا العالم منْزلة كبيرة بين علماء عصره ، وتفوقه عليهم وتنوع فنونه التي شملت معظم العلوم ، أدى إلى تدفق طلاب العلم عليه من كل حدب وصوب ، لينهلوا من عذبه الصافي ، ومن خلقه الرفيع ، ومن علمه الوافر ، فتفقه على يده الكثير من علماء المذهب الحنبلي ، الذين أصبحوا فيما بعد من العلماء العاملين الذين يشار إليهم بالبنان ، قال ابن حجي - فيما نقله عنه ابن العماد -
: ( وتخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق(1) ) ، ونذكر هنا طائفة منهم مرتبين حسب حروف المعجم ، وهم كما يلي:
1- داود بن سليمان بن عبد الله الزين الموصلي ثم الدمشقي الحنبلي سمع على ابن رجب شرحه للأربعين النووية ( ت 844 ه‍ (2) ).
2- الزركشي عبد الرحمان بن محمد بن عبد الله بن محمد الزين أبو ذر بن الشمس ابن الجمال بن الشمس المصري الحنبلي ، يعرف بالزركشي صنعة أبيه
( ت 846 ه‍ (3) ).
3- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبادة السعدي الأنصاري الحنبلي ، قاضي قضاة دمشق ( ت 820 ه‍ (4) ).
4- شمس الدين محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي الأصل النابلسي ثم الدمشقي الحلبي المكي قاضيها الحنبلي ( ت 855 ه‍ (5) ).
5- علاء الدين علي بن محمد بن علي الطرسوسي المزي ( ت بعد 850 ه‍ (6) ) .
6- عمر بن محمد بن علي بن أبي بكر بن محمد السراج الحلبي الأصل الدمشقي الشافعي ( ت 841 ه‍ (7) ).
7- محب الدين أبو الفضل أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر البغدادي ثم المصري الحنبلي ، شيخ الإسلام وعلم الأعلام ، المعروف بابن نصر الله شيخ المذهب ومفتي الديار المصرية ( ت 844 ه‍ (8) ).
-------------------------
(1) شذرات الذهب 6/339 – 340 .
(2) الضوء اللامع للسخاوي 3/212 .
(3) الضوء اللامع 4/136 .
(4) شذرات الذهب 7/148 .
(5) الضوء اللامع 6/309 .
(6) الضوء اللامع 5/328 .
(7) الضوء اللامع 6/120 .
(8) الضوء اللامع 2/233 ، وشذرات الذهب 7/250 .
● [ الصفحة التالية ] ●
8- ابن الرسام أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن علي بن إسماعيل ، الشهاب أبو العباس ابن سيف الدين الحموي الأصل الحلبي الحنبلي ( ت 844 ه‍ (1) ) .
9- ابن زهرة شمس الدين محمد بن خالد بن موسى الحمصي القاضي الحنبلي (2).
10- ابن الشحام أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن محمود بن عبادة ، الشهاب الأنصاري الحلبي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي ( ت 864 ه‍ (3) ).
11- ابن اللحام علي بن محمد بن علي بن عباس بن فتيان علاء الدين البعلي ثم الدمشقي الحنبلي ، يعرف بابن اللحام وهي حرفة أبيه ( ت 803 ه‍ (4) ).
12- ابن المنصفي شمس الدين أبو عبيد الله محمد بن خليل بن محمد بن طوغان الدمشقي الحريري الحنبلي ( ت 803 ه‍ (5) ).
13- ابن المُزَلِّق أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي بكر بن محمد السراج الحلبي الأصل الدمشقي الشافعي ( ت 841 ه‍ (6) ).
14- ابن المغلي علاء الدين علي بن محمود بن أبي بكر السلمي ثمَّ الحموي الحنبلي
( ت 828 ه‍ (7) ).
15- أبو شعر زين الدين عبد الرحمان بن سليمان بن أبي الكرم بن سليمان ، أبو الفرج الدمشقي الصالحي الحنبلي ( ت 844 ه‍ (8) ).
● ثناء العلماء عليه
حظي ابن رجب رحمه الله بثناء منقطع النظير ، يدل على مدى توسعه وتبحره في العلوم ، وعلى مكانته العالية في قلوب الناس ، فلم نجد من العلماء من ذكره بسوء أو قدح بشخصيته ، فالكل كان يحبه ويحترمه ، وما هذا إلا دليل على علو منزلته وعظم شأنه في ذلك الوقت ، ويتضح هذا جلياً من أقوالهم التي نورد طائفة منها ، وهي كما يلي:
-------------------------
(1) الضوء اللامع 1/249 .
(2) شذرات الذهب 7/195 .
(3) الضوء اللامع 2/41 ، وشذرات الذهب 7/303 .
(4) الضوء اللامع 5/320 ، وشذرات الذهب 7/31 .
(5) ذيل تذكرة الحفاظ : 185 ، وشذرات الذهب 7/35 .
(6) الضوء اللامع 6/120 .
(7) الضوء اللامع 6/34 .
(8) الضوء اللامع 4/82 ، وشذرات الذهب 7/253 .
● [ الصفحة التالية ] ●
1- قال أبو المحاسن الدمشقي : ( الإمام الحافظ الحجة والفقيه العمدة أحد العلماء الزهاد والأئمة العباد مفيد المحدثين واعظ المسلمين (1) ).
2- قال الحافظ ابن حجر : ( الشيخ المحدث الحافظ ... أكثر من المسموع وأكثر الاشتغال حتى مهر (2) ).
3- قال السيوطي : ( هو الإمام الحافظ المحدث الفقيه الواعظ (3) ) .
4- قال ابن العماد الحنبلي : ( الإمام العالم العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة الحنبلي (4) ).
وقال أيضاً : ( وكانت مجالس تذكيره للقلوب صارعة وللناس عامة مباركة نافعة ، اجتمعت الفرق عليه ، ومالت القلوب بالمحبة إليه (5) ).
وقال أيضاً : ( وكان لا يعرف شيئاً من أمور الناس ، ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات ، وكان يسكن بالمدرسة السكرية بالقصاعين (6) ).
وقال ابن حجي - فيما نقله عنه ابن العماد - : ( أتقن الفن – أي : فن الحديث – وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق ، وتخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق (7) ).
وغير ذلك من الأقوال التي حوتها كتب التراجم والأعلام.
-------------------------
(1) ذيل تذكرة الحفاظ : 180 .
(2) الدرر الكامنة 2/321-322 .
(3) طبقات الحفاظ ( 1170 ) .
(4) شذرات الذهب 6/339 .
(5) شذرات الذهب 6/339 .
(6) المصدر نفسه .
(7) شذرات الذهب 6/339-340 .
● [ الصفحة التالية ] ●
● آثاره العلمية
سخَّرَ ابن رجب رحمه الله حياته وعمره لخدمة هذا الدين العظيم ، يتضح ذلك من خلال مؤلفاته وتراثه الضخم الذي خلفه لنا ، قال السخاوي : ( جمع نفسه على التصنيف والإقراء (1) ) ، إضافة إلى تنوع فنونه فألَّف في التفسير والحديث والفقه والتاريخ والوعظ وغيره فأجاد وأبدع ، قال أبو المحاسن الدمشقي : ( له المؤلفات السديدة والمصنفات المفيدة (2) ) ، وقال ابن العماد : ( له مصنفات مفيدة ومؤلفات عديدة (3) ) ، ونذكر هنا البعض من هذه المصنفات على سبيل المذاكرة لا على سبيل الاستيعاب ، مرتبة حسب الموضوعات:
التفسير :
1- تفسير سورة الإخلاص ، وهو مطبوع .
2- تفسير سورة النصر ، وهو مطبوع .
الحديث :
3- اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى ، وهو مطبوع .
4- البشارة العظمى في أنَّ حظ المؤمن من النار الحمى ، وهو مخطوط .
5- تحفة الأكياس بشرح وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس ، وهو مطبوع.
6- تسلية نفوس النساء والرجال عند فقد الأطفال ، وهو مخطوط.
7- جامع العلوم والحكم وهو الذي بين يديك.
8- الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( بعثت بالسيف بين يدي الساعة ) ، وهو مطبوع.
9- شرح جامع الترمذي الكبير ، وتوجد منه قطعة مخطوطة في المكتبة الظاهرية.
10- شرح علل الترمذي ، وهو مطبوع (4).
-------------------------
(1) وجيز الكلام 1/308 .
(2) ذيل تذكرة الحفاظ : 181 .
(3) شذرات الذهب 3/339 .
(4) قال أخي الدكتور علي الصياح - نفع الله به - : ( طبع عدة طبعات : طبعة بتحقيق نور الدين عتر ، الطبعة الأولى ، 1398 ، دار الملاح للطباعة ، طبعة بتحقيق همام سعيد ، الطبعة الأولى ، 1407 ، مكتبة المنار ، الأردن ، وكلا التحقيقين جيد وطبعة بتحقيق صبحي السامرائي ، عالم الكتب ، وهي سيئة للغاية . وطبعة بتحقيق كمال علي الجمل ، دار الكلمة ، 1418 ) . جهود المحدّثين : 171.
● [ الصفحة التالية ] ●
11- فتح الباري في شرح البخاري ، وصل به إلى كتاب الجنائز ، ينقل فيه كثيراً من كلام المتقدمين (1) ، وهو مطبوع .
الفقه :
12- الاستخراج في أحكام الخراج ، وهو مطبوع .
13- تعليق الطلاق بالولادة ، وهو مخطوط .
14- القواعد الفقهية ، وهو مطبوع .
15- مشكل الأحاديث الواردة في أنَّ الطلاق الثلاث واحدة ، وهو مفقود .
التاريخ :
16- الذيل على طبقات الحنابلة ، وهو مطبوع .
17- مختصر سيرة عمر بن عبد العزيز ، وهو مطبوع .
18- مشيخة ابن رجب (2) .
الوعظ والفضائل والرقائق :
19- أهوال القبور ، وهو مطبوع .
20- التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار ، وهو مطبوع .
21- الفرق بين النصيحة والتعيير ، وهو مطبوع .
22- فضل علم السَّلف على علم الخلف ، وهو مطبوع .
23- لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ، وهو مطبوع .
وغير ذلك مما حوته كتب التراجم والأعلام .
وصف النسخة الخطية ( الأصل )
اعتمدت على نسخة مكتبة الأوقاف العامة في الموصل ، وتقع تحت الرقم
( 628 ) ، رمزت لها بالحرف ( ص ) وهي نسخة جيدة قليلة السقط ، نوع خطها نسخي عادي ، تحتوي على ( 288 ) صفحة ، في كل صفحة ( 29 ) سطراً ، وفي كل سطر ( 21 ) كلمة تقريباً ، على حواشيها بعض التعليقات والاستدراكات ، ويبدو أنها قرءَت على بعض العلماء ، ويوجد على طرة الكتاب بعض التملكات ، نذكرها كما كتبت وهي : ( بسم الله دخل هذا الكتاب ملكاً بالشراء الشرعي بملك أحقر العباد إلى ربه ، وأنا الفقير إلى الله عبد العزيز بن حمد بن سيف العتيقي(3) بغرة صفر سنة سبعة وأربعين ومئتين وألف من هجرته - صلى الله عليه وسلم - ).
-------------------------
(1) انظر : شذرات الذهب 6/339 .
(2) ذكره ابن حجر في الدرر الكامنة 2/322 .
(3) لم أقف على ترجمة لا له ولا لابنه ، وقد وجدت في كتاب الأعلام 2/272 ترجمة لأحد العلماء وهو ( ابن عتيق ) يشترك معهما في هذه النسبة، ولعله من عائلتهما رحمهم الله جميعاً .
● [ الصفحة التالية ] ●
( وقفه مالكه حمد(1) بن الحاج عبد العزيز العتيقي عفى الله عنه وغفر له ولأبويه وجميع المسلمين ).
( في حوزة الفقير إلى الله محمد بن أمين الشنقيطي(2) سنة ( 1333 ) ).
-------------------------
(1) وهو ولد عبد العزيز الآنف الذكر ، فيظهر أنَّه تملك الكتاب بعد وفاة والده ، ثم وقفه رحم الله الجميع.
(2) هو العالم الكبير محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي رحمه الله تعالى، مفسر مدرس من علماء شنقيط ( موريتانيا ) ، ولد وتعلم بها ، ثم استقر مدرساً في المدينة المنورة ثم الرياض ، وأخيراً في الجامعة الإسلامية بالمدينة ، له كتب منها : أضواء البيان في تفسير القرآن ، ومنع جواز المجاز ، ودفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب ، وغيرها ، توفي بمكة سنة
( 1973 م ) . الأعلام 6/45.
● [ الصفحة التالية ] ●
● [ مقدمة الكتاب ] ●

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين (1)
الحمدُ للهِ الَّذي أكملَ لنا الدِّين ، وأتمَّ علينا النِّعمةَ ، وجعل أُمَّتنا -ولله الحمد- خيرَ أمَّة، وبعث فينا رسولاً منَّا يتلو علينا آياتِه ، ويزكِّينا ويعلِّمنا الكتابَ والحكمة .
أحمَدُه على نِعَمِهِ الجمَّة ، وأشهدُ أنْ لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له ، شهادةً تكونُ لمنِ اعتصمَ بها خيرَ عِصْمَة ، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُهُ ، أرسله للعالمين رحمة ، وفوّض إليه بيانَ ما أُنزِلَ إلينا ، فأوضحَ لنا كلَّ الأمورِ المهمَّة ، وخصَّه بجوامعِ الكلِمِ، فربَّما جمعَ أشتاتَ(2) الحِكَمِ والعُلومِ(3) في كلمةٍ ، أوْ في شطرِ كلمة ، صلَّى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه صلاةً تكونُ لنا نوراً مِنْ كلِّ ظُلْمةٍ ، وسلَّم تَسليماً كثيراً (4).
أمَّا بعدُ :
فإنَّ الله - سبحانه وتعالى - بعثَ محمَّداً - صلى الله عليه وسلم - بجوامِعِ الكَلِمِ ، وخصَّهُ ببدائع الحِكَمِ . كما في " الصحيحين " عن أبي هريرةَ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( بُعِثْتُ بجوامِعِ الكَلِمِ ) (5)
-------------------------
(1) وبه نستعين ) من ( ص ) فقط .
(2) في ( ص ) : ( أسباب ) .
(3) في ( ص ) : ( العلوم والحكم ) .
(4) سقطت من ( ص ) .
(5) أخرجه : البخاري 4/65 ( 2977 ) و9/43 ( 6998 ) و9/47 ( 7013 ) و9/113 ( 7273 ) ، ومسلم 2/64 ( 523 ) ( 5 ) و( 6 ) و( 7 ) و( 8 ) .
وأخرجه : أحمد 2/411 ، وابن ماجه ( 567 ) ، والترمذي ( 1553 ) م ، والنسائي 6/3-4 ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 1025 ) ، وابن حبان ( 2313 ) و( 6401 ) و( 6403 ) ، والبيهقي 2/433 و9/5 وفي " الدلائل " ، له 5/472 ، والبغوي ( 3617 ) من طرق عن أبي هريرة ، به.
● [ الصفحة التالية ] ●
. قال الزُّهري -رحمه الله-: جوامِعُ الكَلِمِ(1) -فيما بَلَغَنَا- أنَّ اللهَ تعالى يجمع له الأُمورَ الكثيرةَ التي كانت تُكْتَبُ في الكُتب قبلَه في الأمرِ الواحدِ والأمرينِ ، ونحو ذلك (2).
وخرّج الإمام أحمدُ من حديثِ عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما - ، قال : خرجَ علينا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يوماً كالمودِّع ، فقال : ( أنا محمَّدٌ النَّبيُّ الأُمِّيُّ ) . قال ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ . ( ولا نَبيَّ بعدي ، أوتيتُ فواتحَ الكَلِمِ وخَواتِمَهُ وجوَامِعَهُ ) … ، وذكر الحديثَ (3).
وخرَّج أبو يعلى المَوصلي من حديثِ عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - ، عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنِّي أُوتيتُ جوامعَ الكَلِمِ وخواتمَهُ ، واختُصِرَ لي الكلام (4)اختصاراً ) (5)
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) أخرجه : البخاري 9/47 عقب الحديث ( 7013 ) تعليقاً .
(3) في " مسنده " 2/172 و211 ، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة .
(4) سقطت من ( ج ) .
(5) في " مسنده الكبير " كما في " المطالب العالية " 9/208 ( 4261 ) .
وأخرجه : العقيلي في " الضعفاء " 2/21 ، وضعفه ، ونقل عن الإمام البخاري تضعيفه للحديث ، وانظر : التاريخ الكبير 2/191 .
وأخرجه : عبد الرزاق ( 10163 ) ، ومن طريقه البيهقي في " شعب الإيمان " ( 5202 ) عن معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بلفظ : ( إنما بعثت فاتحاً ، وخاتماً ، وأعطيت جوامع الكلم ، وفواتحه ، واختصر لي الحديث اختصاراً ، فلا يهلكنكم المتهوكون ) . وفيه قصة .
● [ الصفحة التالية ] ●
وأخرجه: البيهقي في "شعب الإيمان" (1436) من طريق الأحنف بن قيس، والمقدسي في "المختارة" 1/215 (115) من طريق خالد بن عرفطة ؛ كلاهما عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بنحوه.
وبنفس اللفظ الذي ذكره المصنف أورده العجلوني في " كشف الخفاء " 1/15 وقال : ( رواه العسكري في " الأمثال " عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، مرسلاً بهذا اللفظ ؛ لكن في سنده من لم يعرف ).
وخرَّج الدَّارقطنيُّ – رحمه الله - من حديثِ ابنِ عبَّاس -رضي الله عنهما- ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( أُعطيتُ جوامعَ الكَلِمِ ، واختُصِرَ لي الحَديثُ
اختصاراً )(1) .
وروينا مِنْ حديث عبد الرَّحمان بن إسحاقَ القُرَشيّ ، عن أبي بُردَةَ ، عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أُعطيتُ فواتحَ الكَلِمِ وخواتِمَهُ وجَوامِعَهُ ) ، فقلنا : يا رسول الله ، علِّمنا ممَّا علَّمك الله - عز وجل -، قال(2) : فعلَّمَنَا التَّشَهُّدَ (3) .
وفي " صحيح مسلم " (4) عن سعيد بن أبي بُردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، عن جدِّهِ : أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عَنِ البِتْعِ (5) والمِزْرِ (6)
-------------------------
(1) في " سننه " 4/143 ، وإسناده ضعيف جداً فيه زكريا بن عطية منكر الحديث.
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) أخرجه: ابن أبي شيبة ( 32268 ) طبعة الرشد - وهو في "المطالب العالية" 9/102 ( 4202 ) - ، وأبو يعلى ( 7238 ) ، وإسناده ضعيف لضعف عبد الرحمان بن إسحاق الواسطي . انظر : مجمع الزوائد 8/263 ، وتهذيب الكمال 4/369 ( 3742 ).
(4) 6/100 ( 1733 ) ( 71 ) ، وانظر : تخريجه موسعاً عند الحديث السادس والأربعين.
(5) البِتْعُ : البِتْعُ والبِتَعُ : مثل القِمْعِ والقِمَع : نبيذ يتخذ من عسل كأنه الخمر صلابة ، وقال أبو حنيفة : البِتْع الخمر المتخذ من العسل فأوقع الخمر على العسل ، والبِتْعُ أيضاً : الخمر، يمانية ، وبَتَعَها : خَمَّرها . انظر : لسان العرب 1/310 ، وتاج العروس 20/300 ( بتع ).
(6) المِزْر :- تَمزّر المِزْر وهو السُّكْرُكَةُ :- نبيذ الذُّرة تذوقه شيئاً بعد شيء.
انظر : أساس البلاغة 2/210 ، ومختار الصحاح : 623 ( مزر ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
، قال : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أُعطِي جوامع الكَلِمِ بخواتمه ، فقال : ( أنهى عَنْ كُلِّ مُسكرٍ أسكرَ عَنِ الصَّلاةِ ) .
وروى هشامُ بنُ عمَّارٍ (1) في كتاب " المبعث " (2) بإسناده عن أبي سلاّم
الحبشيِّ ، قال : حُدِّثْتُ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : ( فُضِّلْتُ على مَنْ كانَ (3) قَبلِي بستٍّ ولا فخر ) ، فذكر منها : قال : ( وأُعطيتُ جَوامعَ الكَلِمِ ، وكانَ أهلُ الكِتابِ يجعلونها جزءاً باللَّيل إلى الصّباح ، فجمعها الله لي (4) في آيةٍ واحدةٍ { سَبَّحَ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ) (5).
فجوامعُ الكلم التي خُصَّ بها النَّبيُّ (6) - صلى الله عليه وسلم - نوعان :
أحدهما : ما هو في القُرآن ، كقوله - عز وجل - : { إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي } (7) قال الحسنُ : لم تترك هذه الآيةُ خيراً إلاَّ أَمرت به ، ولا شرّاً إلاَّ نَهَتْ عنه (8).
-------------------------
(1) تحرف في ( ص ) إلى : ( عمارة ) .
(2) أي : ( مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ، وهو غير مطبوع ، وهذا الحديث ضعيف الإسناد لجهالة من حدّث أبا سلام الحبشي .
(3) سقطت من ( ج ) .
(4) في ( ج ) : ( لي ربي ) .
(5) الحديد : 1 .
(6) سقطت من ( ص ) .
(7) النحل : 90 .
(8) أخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 140 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
والثَّاني : ما هو في كلامه - صلى الله عليه وسلم - ، وهو موجودٌ منتشرٌ (1) في السُّنن المأثورةِ عنه - صلى الله عليه وسلم - . وقد جمع العُلماء جموعاً من كلماتِه - صلى الله عليه وسلم - الجامِعَةِ ، فصنَّف الحافظُ (2) أبو بكر بن السُّنِّيِّ (3) كتاباً سماه : " الإيجاز وجوامع الكلم مِنَ السُّنَن المأثورة " ، وجمع القاضي أبو عبدِ الله (4) القُضاعي مِنْ جوامع الكلم الوجيزة كتاباً سمَّاه : " الشهاب في الحِكَم والآداب " (5) ، وصنَّفَ على مِنوالِه (6) قومٌ آخرون ، فزادُوا على ما ذكره زيادةً كثيرةً ، وأَشار الخطَّابيُّ في أوَّل كتابه " غريب الحديث " (7) إلى يسير من الأحاديث الجامعة.
وأملى الإمامُ الحافظُ أبو عمرو بنُ الصَّلاحِ – رحمه الله - مجلساً سمَّاه
" الأحاديث الكلّيَّة " جمع فيه الأحاديثَ الجوامعَ التي يُقال : إنَّ مدارَ الدِّين عليها ، وما كان في معناها مِنَ الكلمات الجامعةِ الوجيزةِ ، فاشتمل مجلسهُ هذا على ستَّةٍ وعشرين حديثاً.
ثمَّ إنَّ الفقيهَ الإمامَ الزَّاهِدَ القُدوةَ أبا زكريا يحيى النَّوويَّ -رحمةُ اللهِ عليهِ- أخذَ هذه الأحاديثَ التي أملاها ابنُ الصَّلاحِ ، وزادَ عليها تمامَ اثنينِ وأربعينَ حديثاً ، وسمى كتابه بـ " الأربعين "، واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها ، وكَثُرَ حفظُها ، ونفع الله بها ببركة نيَّة جامِعِها ، وحُسْنِ قصدِه - رحمه الله -.
-------------------------
(1) في ( ج ) : ( منتشر موجود ) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) زاد بعدها في ( ص ) : ( من السنن ) .
(4) عبارة : ( القاضي أبو عبد الله ) لم ترد في ( ص ) .
(5) في ( ص ) : ( الشهاب والآداب في الحكم ) ، وهو المعروف بـ " مسند الشهاب " المطبوع في مؤسسة الرسالة تحقيق : حمدي عبد المجيد السلفي.
(6) في ( ص ) : ( أقواله ) .
(7) 1/64-67 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد تكرَّر سؤالُ جماعةٍ مِنْ طلبةِ العلمِ والدِّينِ لتعليق شرح لهذه الأحاديث المُشار إليها ، فاستخرتُ الله - سبحانه وتعالى - في جمع كتابٍ يتضمَّنُ شرح ما يُيسِّرُه الله تعالى مِنْ معانيها ، وتقييد ما يفتحُ الله (1) به سبحانه من تبيين قواعدِها ومبانيها ، وإيَّاه أسألُ العونَ على ما قَصَدْتُ ، والتَّوفيقَ في صلاح (2) النِّيَّةِ والقصد فيما أردتُ ، وأُعَوِّلُ في أمري كلّه عليه ، وأبرأ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ إلاَّ إليه.
وقد كان بعضُ مَنْ شرحَ هذه الأربعينَ قد تعقَّب على جامعها -رحمه الله- تركَه لحديثِ : ( أَلحِقُوا الفَرائِضَ بأهلها ، فما أبقتِ الفرائِضُ ، فلأَوْلَى رجُلٍ
ذكرٍ ) (3) ، قال : لأنَّه جامعٌ لقواعدِ الفرائض التي هي نصفُ العلمِ ، فكان ينبغي ذكرهُ في هذه الأحاديث الجامعة ، كما ذكرَ حديثَ : ( البيِّنَةُ على المُدَّعي ، واليمينُ على من أنكر ) (4) لجمعه لأحكامِ القضاء.
فرأيتُ أنا أن أضُمَّ هذا الحديثَ إلى أحاديثِ الأربعين التي جمعها الشيخُ -رحمه الله- ، وأن أضُمَّ إلى ذلك كُلِّه أحاديثَ أُخُرَ مِنْ جَوامعِ الكَلِمِ الجامِعَةِ لأنواعِ العُلومِ والحِكَمِ ، حتَّى تكمُلَ عدَّةُ الأحاديث كلّها خمسينَ حديثاً ، وهذه تسميةُ الأحاديثِ المزيدة على ما ذكره الشيخُ -رحمه الله- في كتابه:
-------------------------
(1) لفظ الجلالة لم يرد في ( ج ) .
(2) في ( ج ) : ( لصالح ) .
(3) سيأتي عند الحديث الثالث والأربعين .
(4) سيأتي عند الحديث الثالث والثلاثين .
● [ الصفحة التالية ] ●
حديث : ( ألحِقوا الفَرائِضَ بأهلها ) (1) ، وحديث : ( يحرُمُ مِنَ الرَّضَاع ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ ) (2) ، وحديث : ( إنَّ اللهَ إذا حرَّمَ شيئاً ، حرَّمَ ثَمَنَهُ ) (3)،
وحديث : ( كلُّ مُسكِرٍ حرامٌ ) (4) ، وحديث : ( ما ملأَ آدميٌّ وعاءً شرّاً من بطن ) (5) ، وحديث : ( أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فيه كانَ مُنافِقاً ) (6)،
وحديث : ( لو أنَّكم توكَّلون على الله حَقَّ توكُّلِهِ لرَزَقَكُم كما يرزُقُ الطَّير ) (7) ، وحديث : ( لا يزالُ لسانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكرِ اللهِ - عز وجل - ) (8).
● وسمَّيته :
" جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم " .
واعلم أنه ليس غرضي إلاَّ شرحُ الألفاظ النَّبويَّةِ التي تضمَّنَتْها هذه الأحاديثُ
الكلِّية ، فلذلك لا أتقيَّد بألفاظِ الشَّيخِ -رحمه الله- في تراجمِ رُواةِ هذه الأحاديث مِنَ الصَّحابةِ - رضي الله عنهم - ، ولا بألفاظه في (9) العَزْوِ إلى الكُتب التي يعزُو إليها ، وإنَّما آتي بالمعنى الذي يدلُّ على ذلك ؛ لأني قد أعلمتُك أنَّه ليس لي غرضٌ إلاّ في شرح (10) معاني كلمات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الجوامع ، وما تضمَّنَته مِنَ الآداب والحِكَمِ والمعارف والأحكام والشرائع.
-------------------------
(1) سبق الإشارة إلى تخريجه .
(2) سيأتي عند الحديث الرابع والأربعين .
(3) سيأتي تخريجه عند الحديث الخامس والأربعين .
(4) سيأتي عند الحديث السادس والأربعين .
(5) سيأتي عند الحديث السابع والأربعين .
(6) سيأتي عند الحديث الثامن والأربعين .
(7) سيأتي عند الحديث التاسع والأربعين .
(8) سيأتي عند الحديث الخمسين .
(9) في ( ص ) : ( إلى ) .
(10) في ( ص ) : ( في غير شرح ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وأشيرُ إشارةً لطيفةً قبلَ الكلامِ في شرح الحديث إلى إسناده ؛ ليُعْلَمَ بذلك صحَّتُهُ وقوَّتُه وضعفُه ، وأذكرُ بعضَ (1) ما رُوي في معناه مِنَ الأحاديث إنْ كان في ذلك الباب شيءٌ غير الحديث الذي ذكره الشيخ ، وإنْ لم يكن في الباب غيرُه ، أو لم يكن (2) يصحُّ فيه غيره ، نبَّهت على ذلك كلِّه ، والله المستعان ، وعليه التُّكلانُ ، ولا حَولَ ولا قوَّة إلاَّ باللهِ (3).
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( في بعض ) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) عبارة : ( ولا حول ولا قوة إلا بالله ) لم ترد في ( ص ).


جامع العلوم والحكم
لإبن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 17 ديسمبر 2018, 11:18 am