الحديث الثاني

شاطر

بنوتات
Admin

عدد المساهمات : 1896
تاريخ التسجيل : 03/11/2013
الموقع : alktaket2@gmail.com

الحديث الثاني

مُساهمة من طرف بنوتات في الخميس 06 ديسمبر 2018, 3:15 pm


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ الحديث الثاني ] ●

عَنْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ - رضي الله عنه -، قال : بَينَمَا نَحْنُ جلوس(1) عندَ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ يومٍ ، إذْ طَلَعَ علينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بياضِ الثِّيابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ ، لا يُرى عليهِ أثَرُ السَّفَر ، ولا يَعرِفُهُ مِنّا أحدٌ ، حتَّى جَلَسَ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأسنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْهِ ، ووضع كَفَّيه على فَخِذيه ، وقالَ : يا مُحَمَّدُ ، أخبِرني عَنِ الإسلامِ .
فقال رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( الإسلامُ : أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله ، وأنَّ محمَّداً رسولُ اللهِ ، وتُقيمَ الصَّلاةَ ، وتُؤتِي الزَّكاةَ ، وتصومَ رمضَانَ ، وتَحُجَّ البَيتَ إن استَطَعتَ إليه سبيلاً ) . قال : صَدَقتَ (2)، قال : فَعَجِبنا لَهُ يسأَلُهُ ويصدِّقُهُ .
قال: فأخْبِرني عَنِ الإيمان . قال : ( أنْ تُؤْمِنَ باللهِ وملائِكَته وكُتُبِه، ورُسُله، واليَومِ الآخِرِ ، وتُؤْمِنَ بالقَدرِ خَيرِهِ وشَرِّهِ ) . قالَ : صَدَقتَ .
قالَ : فأخْبِرنِي عنِ الإحْسَانِ ، قال : ( أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَراهُ ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّهُ يراكَ ) .
قال : فأخبِرني عَنِ السَّاعةِ ؟
قال : ( مَا المَسؤُولُ عَنْهَا بأعلَمَ مِنَ السَّائِل ) .
قال : فأخبِرني عنْ أَمارَتِها ؟
قال : ( أنْ تَلِد الأمَةُ رَبَّتَها(3)
-------------------------
(1) سقطت من ( ج ) .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : ( يا رسول الله ) .
(3) اختلف العلماء في معنى ذلك على أربعة أقوال :
القول الأول : قال الخطابي : معناه : اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم ، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها ، لأنّه ولد سيدها ، قال النووي وغيره : إنه قول الأكثرين ، واعترض الحافظ ابن حجر على ذلك فقال : لكن في كونه المراد نظر ؛ لأن استيلاء الإماء كان موجوداً حين المقالة ، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإسلام ، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع مالم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة .
القول الثاني : إن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها ، ولا يشعر بذلك .
القول الثالث : قال النووي : لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد ، بل يتصور في غيرهن بأن تلد الأمة حراً من غير سيدها بوطء شبهةٍ ، أو رقيقاً بنكاح ، أو زنا ، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعاً صحيحاً ، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو ابنتها .
القول الرابع : أن يكثر العقوق في الأولاد فيُعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة
بالسب والضرب والاستخدام ، فأطلق عليه ربها مجازاً لذلك ، أو المراد بالرب المربي فيكون حقيقة .
والراجح - والله أعلم - القول الرابع ، وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " 1/162-163 عقب الحديث ( 50 ) ، وقال بعد أن ذكر الترجيح : ( ولأن المقام يدل على المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة ، ومحصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور . بحيث يصير المربى مربياً ، والسافل عالياً ، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى : ( أن تصير الحفاة ملوك الأرض ) ).
● [ الصفحة التالية ] ●

، وأنْ تَرى الحُفاة العُراة العَالةَ رعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلونَ في البُنيانِ ) .
ثُمَّ انْطَلَقَ ، فلبثْتُ مَليّاً ، ثمَّ قال لي : ( يا عُمَرُ ، أتَدرِي مَنِ السَّائل ؟ )
قلتُ : الله ورسولُهُ أعلَمُ .
قال : ( فإنَّهُ جِبريلُ أتاكُم يُعَلِّمُكُم(1) دِينَكُم ) .
رواه مسلم(2)
-------------------------
(1) زاد بعدها في ( ص ) : ( أمر ) .
(2) في " صحيحه " 1/28 ( 8 ) ( 1 ) و1/29 ( 8 ) ( 2 ) و( 3 ) و1/30 ( 8 ) ( 4 ).
وأخرجه أيضاً : الطيالسي ( 2 ) ، وأحمد 1/27 و28 و51 و52 ، والبخاري في " خلق أفعال العباد " ( 26 ) ، وأبو داود ( 4695 ) و( 4696 ) و( 4697 ) ، وابن ماجه ( 63 ) ، والترمذي ( 2610 ) ، وعبد الله بن أحمد في " السنة " ( 901 ) و( 908 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 363 ) و( 367 ) ، والنسائي 8/97 وفي " الكبرى " ، له ( 11721 ) ، وابن خزيمة ( 1 ) و( 2504 ) و( 3065 ) ، وابن حبان ( 168 ) و( 173 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 1 ) و( 2 ) و( 3 ) و( 4 ) و( 5 ) و( 6 ) و( 8 ) و( 9 ) و( 10 ) و( 11 ) و( 12 ) و( 13 ) و( 185 ) و( 186 ) ، والبيهقي في " دلائل النبوة " 7/69 - 70 وفي "شعب الإيمان" ، له ( 3973 ) ، والبغوي ( 2 ) من حديث عمر بن الخطاب ، به .
الروايات مطولة ومختصرة .
● [ الصفحة التالية ] ●

الشرح
هذا الحديثُ تفرَّد مسلم عن البُخاريِّ بإخراجِه ، فخرَّجه مِنْ طريقِ كهمسٍ ، عَنْ عبد الله بنِ بُريدةَ ، عن يَحيى بن يَعْمَرَ ، قال : كانَ(1) أوَّلَ مَنْ قالَ في القَدرِ بالبصرةِ معبدٌ الجهنيُّ ، فانطلقتُ أنا وحميدُ بنُ عبد الرَّحمانِ الحِميريُّ حاجين أو مُعتَمِرين ، فقلنا : لو لَقِينا أحداً مِنْ أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسألناه عمَّا يقولُ هؤلاءِ في القدرِ ، فوُفِّقَ لنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ الخطَّابِ داخلاً المسجدَ ، فاكتَنَفتُهُ أنا وصاحبي ، أحدُنا عن يمينه ، والآخرُ عن شِمالِه ، فظننتُ أنَّ صاحبي سيَكِلُ الكلامَ إليَّ ، فقلتُ : أبا عبدِ الرَّحمانِ ، إنّه (2) قد ظهر قِبلَنا ناسٌ يقرءون القُرآن ، ويتقفَّرُون(3) العلمَ ، وذكر مِنْ شأنهم ، وأنَّهم يزعُمون أنْ لا قدرَ ، وأنّ الأمرَ أُنُفٌ(4) ، فقال : إذا لقيتَ أولئك ، فأخبرهم أنّي بريءٌ منهم ، وأنّهم بُرآءُ مِنّي، والّذي يحلفُ به عبدُ الله بنُ عمرَ، لو أنّ لأحدهم مثلَ أُحُدٍ ذهباً، فأنفقه ، ما قَبِلَ الله منه حتى يُؤمِنَ بالقدرِ ، ثم قال : حدَّثني أبي عمرُ بنُ الخطّابِ ، قال : بينما نحنُ عندَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر الحديث بطولِهِ.
-------------------------
(1) سقطت في ( ص ) .
(2) سقطت في ( ص ) .
(3) يتقفرون العِلم : يطلبونه ويتتبعونه ، هذا هو المشهور ، وقيل معناه : يجمعونه .
انظر : النهاية 4/90 ، ولسان العرب 11/254 ( قفر ) .
(4) زاد بعدها في ( ص ) : ( أي : مستأنف ) . وأُنُف : بضم الهمزة والنون : أي : مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى ، وإنما يعلمه بعد وقوعه .
انظر : النهاية 1/75 ، وشرح النووي لصحيح مسلم 1/145 .
● [ الصفحة التالية ] ●
ثم خرَّجه من طُرقٍ أُخرى ، بعضُها يرجِعُ إلى عبد الله بن بريدةَ(1) ، وبعضُها يرجع إلى يحيى بن يعمر(2) ، وذكر أنّ في بعض ألفاظها زيادةً ونقصاً .
وقد خرّجه ابنُ حبَّان في " صحيحه " (3) من طريق سليمانَ التَّيميِّ ، عن يحيى ابن يعمر ، وقد خرَّجه مسلمٌ مِن هذه الطَّريق ، إلاَّ أنَّه لم يذكر لفظَه ، وفيه زياداتٌ منها : في الإسلام، قال : ( وتحجَّ وتعتمر، وتغتسلَ مِنَ الجَنابةِ ، وأنْ تُتمَّ الوُضوء، وتصوم رمضان ) قال : فإذا أنا فعلتُ ذلك ، فأنا مسلمٌ ؟ قال : ( نعم ) .
وقال في الإيمان : ( وتُؤمِن بالجَنَّةِ والنَّارِ والمِيزانِ ) ، وقال فيه : فإذا فعلتُ ذلك ، فأنا مؤمنٌ ؟ قال : ( نعم ) .
وقال في آخره : ( هذا جبريلُ أتاكُم ليعلِّمكُم أمرَ دينكم ، خذوا عنه ، والذي نفسي بيده ما شُبِّه عليَّ منذُ أتاني قبل مرَّتي هذه ، وما عرفتُه حتى ولّى ) .
وخرّجاه في " الصحيحين " (4)
-------------------------
(1) تصحف في ( ص ) إلى : ( يزيد ) .
(2) في ( ص ) : ( وبعضها إلى رواية ابن يعمر ) .
(3) ابن حبان ( 173 ) ، وقال عقب الحديث : ( تفرد سليمان التيمي بقوله : ( خذوا عنه ) وبقوله : ( تعتمر وتغتسل وتتم الوضوء ) ) .
(4) صحيح البخاري 1/19 ( 50 ) و6/144 ( 4777 ) ، وصحيح مسلم 1/30 ( 9 ) ( 5 ) و( 6 ) .
وأخرجه : أحمد 2/426 ، وأبو داود ( 4698 ) ، وابن ماجه ( 64 ) و( 4044 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 379 ) ، وابن خزيمة ( 2244 ) ، وابن حبان ( 159 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 15 ) و( 16 ) و( 158 ) و( 159 ) ، والبيهقي في " شُعب الإيمان " ( 385 ) .
وأخرجه : النسائي 8/101 ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 378 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 160 ) من حديث أبي هريرة وأبي ذر ، به.
● [ الصفحة التالية ] ●
من حديث أبي هُريرة ، قال : كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يوماً بارزاً للناسِ ، فأتاهُ رجلٌ ، فقال : ما الإيمان(1) ؟ قال : ( الإيمانُ : أنْ تُؤمِنَ بالله وملائكتِه وكتابه ، وبلقائه ، ورُسله ، وتؤمن بالبعثِ الآخرِ ).
قال : يا رسولَ اللهِ ، ما الإسلام ؟ قالَ : ( الإسلامُ (2): أن تعبدَ الله لا تشرك به شيئاً ، وتقيمَ الصلاةَ المكتوبةَ ، وتُؤَدِّي الزّكاةَ المفروضةَ ، وتصومَ رمضان (3) ) .
قال : يا رسولَ اللهِ ، ما الإحسّانُ ؟ قال : ( أنْ تعبدَ الله كأنَّكَ تراهُ ، فإنَّكَ إنْ لا تراه(4) ، فإنّه يراك ).
قال : يا رسول اللهِ ، متى الساعةُ ؟ قال : ( ما المسؤولُ عنها بأعلمَ مِنَ السَّائِلِ ، ولكن سأحدِّثكَ عَنْ أَشراطِها : إذا وَلَدتِ الأَمَةُ ربَّتها ، فذاك من أشراطها ، وإذا رأيتَ العُراة الحُفاة رُؤوسَ الناس ، فذاك من أشراطِها ، وإذا تطاوَل رعاءُ البَهْم في البُنيان ، فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمُهُنَّ إلاّ الله ) ، ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (5) .
-------------------------
(1) زاد بعدها في ( ص ) : ( بالله ) .
(2) سقطت في ( ص ) .
(3) زاد بعدها في ( ص ) : ( وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً ) .
(4) في ( ص ) : ( فإن لم تكن تراه ) .
(5) لقمان : 34 .
● [ الصفحة التالية ] ●
قال : ثمّ أدبَرَ الرجُلُ ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( عليَّ بالرَّجُلِ(1) ) ، فأخذوا ليردُّوه ، فلم يَروا شيئاً ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هذا جبريلُ جاءكم ليعلِّمَكم أمر دينكم (2) ).
وخرَّجه مسلم بسياقٍ أتمَّ مِنْ هذا ، وفيه في خصال الإيمان : ( وتؤمِن بالقدر
كلّه ) ، وقال في الإحسان : ( أنْ تخشى الله كأنَّكَ تراهُ )(3) .
وخَرَّجهُ الإمامُ أحمد في " مسنده " (4) من حديث شهر بن حوشب ، عن ابنِ عباس . ومن حديث شهر بن حوشب أيضاً ، عن ابن عامرٍ ، أو أبي عامرٍ ، أو أبي مالكٍ (5) ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وفي حديثه قال : ونسمع رَجْعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولا نرى الذي يكلِّمُهُ ، ولا نسمعُ كلامه(6) ، وهذا يردُّه حديثُ عمرَ الذي خرَّجه مسلمٌ ، وهو أصحُّ(7) .
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( أتروون عليّ الرجل ) .
(2) في ( ج ) : ( جاء ليعلم الناس دينهم ) .
(3) في " صحيحه " 1/30 ( 10 ) ( 7 ) من حديث أبي هريرة ، به .
(4) 1/319 ، وليس فيه: ( ونسمع رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا نرى الذي يكلمه ولا نسمع كلامه ) .
وأخرجه أيضاً : البزار كما في " كشف الأستار " ( 24 ) من حديث ابن عباس ، به ، من غير طريق شهر وليس فيه اللفظ الذي ذكره المصنف .
(5) في ( ص ) : ( عن ابن عامر أيضاً ، أو ابن عامر وأبي مالك ) .
(6) أخرجه : أحمد 4/129 و164 ، وهذه اللفظة منكرة ، وشهر بن حوشب ضعيف ، وكما أنَّه أخطأ في المتن فكذا أخطأ في السند ، وتفصيل بيان أخطائه في كتابنا " الجامع في العلل " يسر الله اتمامه .
(7) سبق تخريجه .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد رُوي الحديث(1) عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ(2) ، وجرير بن عبد الله البجليِّ ، وغيرهما(3) .
وهو حديثٌ عظيمٌ جداً ، يشتملُ على شرحِ الدِّين كُلِّه(4) ، ولهذا قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في آخره : ( هذا جبريل أتاكُم يعلِّمكم(5) دينَكُم ) بعد أنْ شرحَ درجةَ الإسلامِ ، ودرجةَ الإيمانِ ، ودرجة الإحسّانِ ، فجعل ذلك كُلَّه ديناً .
واختلفتِ الرِّواية في تقديمِ الإسلامِ على الإيمان وعكسه ، ففي حديث عمرَ الذي خرَّجه مسلمٌ أنّه(6) بدأ بالسُّؤال عن الإسلام ، وفي الترمذي وغيره : أنَّه بدأ بالسؤال عن الإيمان ، كما في حديث أبي هريرة ، وجاء في بعض روايات حديثِ(7) عمرَ أنَّه سألَ عن الإحسّان بين الإسلام والإيمان .
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( حديث عمر ) .
(2) أخرجه : البخاري في " خلق أفعال العباد " ( 191 ) ، والبزار كما في " كشف الأستار " ( 22 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 381 ) و( 382 ) .
(3) أخرجه : الآجري في " الشريعة ": 189 – 190 .
(4) قال القاضي عياض : اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداءً وحالاً ومن أعمال الجوارح ، ومن إخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال ، حتى إنَّ علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه .
وقال القرطبي : هذا الحديث يصلح أن يقال له أُم السنة ؛ لما تضمنه من جُمل علم السنة .
انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 1/146 - 147 ، وفتح الباري 1/166 .
(5) زاد بعدها في ( ص ) : ( أمر ) .
(6) سقطت في ( ص ) .
(7) لم ترد في ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
فأمَّا الإسلامُ، فقد فسَّره النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأعمالِ الجوارح الظَّاهرة مِنَ القولِ والعملِ، وأوّلُ ذلك : شهادةُ أنْ لا إله إلا الله ، وأنَّ محمداً رسولُ الله ، وهو عملُ اللسانِ ، ثمّ إقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصومُ رمضانَ، وحجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً .
وهي منقسمةٌ إلى عمل بدني : كالصَّلاة والصومِ ، وإلى عمل ماليٍّ : وهو إيتاءُ الزَّكاةِ ، وإلى ما هو مركَّبٌ منهما : كالحجِّ بالنسبة إلى البعيد عن مَكَّة .
وفي رواية ابنِ حبَّان أضاف إلى ذلك الاعتمارَ ، والغُسْلَ مِنَ الجَنابةِ ،
وإتمامَ الوُضوءِ ، وفي هذا تنبيهٌ على أنَّ جميعَ الواجباتِ الظاهرةِ داخلةٌ في مسمّى الإسلامِ .
وإنَّما ذكرنا هاهنا أصولَ أعمالِ الإسلامِ التي ينبني عليها كما سيأتي شرح ذلك في حديث ابنِ عمرَ : ( بُنِيَ الإسلامُ على خَمسٍ ) في مَوضِعه إنْ شاءَ الله تعالى .
وقوله في بعض الرِّوايات : فإذا فعلتُ ذلك ، فأنا مسلمٌ ؟ قالَ : ( نعم )
يدلُّ على أنَّ مَنْ كَمَّلَ الإتيانَ بمباني الإسلام الخمسِ ، صار مسلماً حقَّاً ، مع أنَّ
مَنْ أقرَّ بالشهادتين ، صار مسلماً حُكماً ، فإذا دخل في الإسلام (1) بذلك ،
أُلزم بالقِيام ببقيَّة خصالِ الإسلام ، ومَنْ تركَ الشَّهادتين ، خرج مِنَ الإسلام ،
وفي خُروجِه مِنَ الإسلام بتركِ الصَّلاةِ خلافٌ مشهورٌ بينَ العُلماء ، وكذلك في
ترك بقيَّة مباني الإسلام الخمس، كما سنذكُره في موضعه إن شاء الله تعالى(2) .
-------------------------
(1) عبارة : ( فإذا دخل في الإسلام ) لم ترد في ( ص ) .
(2) سيأتي عند الحديث الثالث .
● [ الصفحة التالية ] ●
وممَّا يدل على أنَّ جميعَ الأعمالِ الظَّاهرةِ تدخُلُ في مسمَّى الإسلام قولُ النَّبيِّ
- صلى الله عليه وسلم - : ( المُسلم مَنْ سَلِمَ المُسلمُون من لِسانِه ويده )(1) .
وفي " الصحيحين "(2)
-------------------------
(1) أخرجه : الحميدي ( 595 ) ، وأحمد 2/192 و205 و212 ، والبخاري 1/9 ( 10 ) و8/127 ( 6484 ) وفي " الأدب المفرد "، له ( 1144 ) ، ومسلم 1/47 ( 40 ) ( 64 )، وأبو داود ( 2481 ) ، والنسائي 8/105 ، وابن حبان ( 196 ) و( 230 ) و( 399 ) و( 400 )، وابن منده في " الإيمان " ( 309 ) و( 310 ) و( 311 ) و( 312 ) و( 313 )، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 181 ) ، والبيهقي 10/187 ، والبغوي ( 12 ) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، به .
وأخرجه : أحمد 2/379 ، والترمذي ( 2627 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 637 ) ، والنسائي 8/104 وفي " الكبرى " ، له ( 11726 ) ، وابن حبان ( 180 ) ، والحاكم 1/10 من حديث أبي هريرة ، به .
وأخرجه : أحمد 3/372 ، ومسلم 1/48 ( 41 ) ( 65 ) ، وابن حبان ( 197 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 314 ) ، والحاكم 1/10 ، والبيهقي 10/187 من حديث جابر بن عبد الله ، به .
وأخرجه : أحمد 6/21-22، وابن حبان ( 4862 ) ، والطبراني في " الكبير " 18/( 796 )، وابن منده في " الإيمان " ( 315 ) ، والحاكم 1/10-11 ، والبغوي ( 14 ) من حديث فضالة بن عبيد ، به .
وأخرجه : البخاري 1/10 ( 11 ) ، ومسلم 1/48 ( 42 ) ( 66 ) ، والبغوي ( 13 ) من حديث أبي موسى ، به .
وأخرجه : الحاكم 1/11 من حديث أنس بن مالك ، به .
(2) صحيح البخاري 1/10 ( 12 ) و1/14 ( 28 ) و8/65 ( 6236 ) ، وصحيح مسلم 1/47 ( 39 ) ( 63 ) .
وأخرجه : أحمد 2/169 ، والبخاري في " الأدب " ( 1013 ) و( 1050 ) ، وأبو داود
( 5194 ) ، وابن ماجه ( 3253 ) ، والنسائي 8/107 وفي " الكبرى " ، له ( 11731 ) ، وابن حبان ( 505 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 317 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 8751 ) ، والبغوي ( 3302 ) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
عن عبدِ الله بنِ عمرٍو : أنَّ رجلاً سألَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - : أيُّ الإسلامِ خيرٌ ؟ قال : ( أنْ تُطْعِمَ الطّعامَ ، وتقرأ السَّلام على مَنْ عرفت ومَنْ لم تعرف ) .
وفي " صحيح الحاكم " (1) عن أبي هريرةَ ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (2) قال : ( إنَّ للإسلام صُوىً(3) ومناراً كمنار الطَّريق ، من ذلك : أنْ تعبدَ الله(4) ولا تشركَ به شيئاً ، وتقيمَ الصَّلاةَ ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ ، وتصومَ رمضانَ ، والأمرُ بالمعروفِ ، والنَّهيُ عن المُنكرِ ، وتسليمُك على بَني آدم إذا لَقِيتَهم وتسليمُك على أهلِ بيتِكَ إذا دخلتَ عليهم ، فمن انتقصَ منهنَّ شيئاً ، فهو سَهمٌ من الإسلامِ تركه ، ومن يتركهُنَّ فقد نبذَ الإسلامَ وراءَ ظهره ) .
-------------------------
(1) أي : " المستدرك " 1/21 . وفيه لفظ ( صنوأ ) بدل ( صوى ) . أما إطلاق المصنف تسمية صحيح الحاكم على " المستدرك " فهذا تساهل كبير منه - رحمه الله - .
وأخرجه أيضاً : أبو عبيد في " الإيمان " ( 3 )، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 405 ) ، والطبراني في " مسند الشاميين " ( 429 ) ، وابن السني في " عمل اليوم والليلة " ( 161 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 5/217 - 218 من طرق عن أبي هريرة ، به ، وهو حديث صحيح .
(2) عبارة : ( عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ) لم ترد في ( ص ) .
(3) الصُّوى : الأعلام المنصوبة من الحجارة في المفازة المجهولة يستدل بها على الطريق ، واحدتها صُوةٌ كقوة : أراد أنَّ للإسلام طرائق وأعلاماً يهتدى بها . النهاية 3/62 .
(4) زاد بعدها في ( ص ) : ( كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وخَرَّج ابنُ مردويه مِنْ حديث(1) أبي الدَّرداءِ ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ( للإسلام ضياءٌ وعلاماتٌ كمنارِ الطَّريقِ ، فرأسُها وجِماعُها شهادةُ أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وتَمَامُ الوُضوءِ،
والحُكمُ بكتاب الله وسُنّةِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - ، وطاعةُ وُلاة الأمر، وتسليمُكم على أنفُسِكُم، وتسليمُكم على أهليكم(2) إذا دخلتُم بيوتَكم ، وتسليمكم على بني آدم إذا لقيتُموهُم(3) ) وفي إسناده ضعفٌ ، ولعله موقوف (4).
وصحَّ من حديث أبي إسحاق ، عنْ صِلةَ بنِ زُفَرَ ، عن حذيفةَ ، قال : الإسلامُ ثمانيةُ أسهُمٍ : الإسلامُ سهمٌ ، والصَّلاةُ سهمٌ، والزَّكاةُ سهمٌ، والجهادُ سهمٌ ، وحجُّ البيتِ سهمٌ(5) ، وصومُ رمضانَ سهمٌ ، والأمرُ بالمعروفِ سهمٌ ، والنهيُ عنِ المنكرِ سهمٌ ، وخابَ مَنْ لا سَهمَ له. وخرَّجه البزّارُ مرفوعاً(6)، والموقوفُ أصحُّ(7) .
ورواهُ بعضهم عن أبي إسحاقَ، عنِ الحارثِ، عن عليٍّ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، خرَّجه أبو يعلى الموصلي(8)
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( طريق ) .
(2) عبارة : ( على أهليكم ) لم ترد في ( ص ) .
(3) أخرجه: الطبراني في "مسند الشاميين" ( 1954 ) من حديث بكر بن سهل ، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن أبي الدرداء، به. وعبد الله بن صالح فيه مقال.
(4) حديث أبي الدرداء قواه العلامة الألباني في " السلسة الصحيحة " ( 333 ) .
(5) عبارة : ( وحج البيت سهم ) لم ترد في ( ص ) .
(6) سقطت من ( ص ) .
(7) كما في " كشف الأستار " ( 336 ) مرفوعاً .
وأخرجه موقوفاً : الطيالسي ( 413 ) ، والبزار كما في " كشف الأستار " ( 337 ).
قال البزار عقب الحديث ( 337 ) : ( ولم يسنده ولا نعلم أسنده إلا يزيد بن عطاء ) .
(8) في " مسنده " ( 523 ) .
وأخرجه ابن عدي في " الكامل " 3/330 من حديث علي بن أبي طالب ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
وغيره (1)، والموقوف على حذيفة أصحُّ . قاله الدَّارقطنيُّ (2) وغيره .
وقوله : ( الإسلام سهمٌ ) يعني : الشَّهادتين ؛ لأنّهما عَلمُ الإسلام ، وبهما يصيرُ الإنسانُ مسلماً .
وكذلك تركُ المحرَّمات داخلٌ في مُسمَّى الإسلام أيضاً ، كما رُوي عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : ( مِنْ حُسْنِ إسلامِ المَرءِ تركُهُ ما لا يعنيه ) ، وسيأتي في موضعه إنْ شاء الله تعالى(3) .
ويدلُّ على هذا أيضاً ما خرَّجه الإمامُ أحمدُ ، والتِّرمذيُّ ، والنَّسائيُّ مِنْ حديثِ العِرباضِ بنِ ساريةَ(4) ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ضربَ الله مثلاً صراطاً مستقيماً ، وعلى جَنَبتَي الصِّراط سُورانِ ، فيهما أبوابٌ مفتَّحَةٌ ، وعلى الأبوابِ ستورٌ مُرخاةٌ ، وعلى بابِ الصِّراط داعٍ يقول : يا أيُّها النّاس ، ادخُلوا الصِّراط جميعاً ، ولا تعوجُّوا ، وداعٍ يدعو من جَوفِ الصِّراطِ ، فإذا أرادَ أنْ يفتحَ شيئاً من تلكَ الأبوابِ ، قال : ويحكَ لا تَفتَحْهُ ، فإنَّك إنْ تفتحه تَلِجْهُ . والصِّراطُ : الإسلامُ . والسُّورانِ : حدودُ اللهِ . والأبوابُ المُفتَّحةُ : محارمُ اللهِ ، وذلك الدّاعي على رأس الصِّراط : كتابُ الله . والدّاعي من فوق : واعظُ اللهِ في قلب كلِّ مسلمٍ ) .
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) في " علله " 3/171 .
(3) عند الحديث الثاني عشر .
(4) هذا من حديث النواس بن سمعان ، وليس العرباض بن سارية ، وهو وهم من المصنف - رحمه الله - .
أخرجه : أحمد 4/182 و183، والترمذي ( 2859 )، والنسائي في " الكبرى " ( 11233 ) وفي " تفسيره " ( 253 ) ، والطبري في " تفسيره " 1/75 ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 2041 ) و( 2143 ) ، والطبراني في " مسند الشاميين " ( 1147 ) و( 2024 ) ، والآجري في " الشريعة " : 12 - 13 ، والحاكم 1/73 من طرق عن النواس بن سمعان ، به ، وقال الترمذي : ( حسن غريب ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
زاد التِّرمذيُّ : { وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ } (1) .
ففي هذا المثلِ الذي ضربه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنّ الإسلامَ هو الصِّراطُ المستقيم الذي أمرَ الله تعالى (2) بالاستقامةِ عليه ، ونهى عن تجاوُزِ حدوده ، وأنَّ مَنِ ارتكبَ شيئاً مِنَ المحرّماتِ ، فقد تعدّى حدودَه .
وأما الإيمانُ ، فقد فسَّره النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث بالاعتقادات الباطِنَة ، فقال : ( أنْ تُؤْمِن باللهِ ، وملائكتِه ، وكُتبِه ، ورُسلِهِ ، والبعثِ بعدَ الموتِ ، وتُؤْمِنَ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّه ) .
وقد ذكرَ الله في كتابه الإيمانَ بهذه الأصولِ الخمسةِ في مواضع ، كقوله تعالى : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } (3) . وقال تعالى : { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ } (4) ، وقال تعالى : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } (5) .
-------------------------
(1) يونس : 25 .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : ( رسوله ) .
(3) البقرة : 285 .
(4) البقرة : 277 .
(5) البقرة : 3 - 4 .
● [ الصفحة التالية ] ●
والإيمان بالرُّسُل يلزمُ منهُ الإيمانُ بجميع ما أخبرُوا به من المَلائكةِ ، والأنبياء ، والكتابِ(1) ، والبعثِ ، والقدرِ ، وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به مِنْ صفات الله
تعالى وصفات اليوم الآخر ، كالميزانِ والصراطِ ، والجنَّةِ ، والنَّار .
وقد أُدخِلَ في هذه الآيات الإيمانُ بالقدرِ خيرِه وشرِّه ، ولأجلِ هذه الكلمةِ روى ابنُ عمر هذا الحديث محتجّاً به على مَنْ أنكَرَ القدرَ ، وزعمَ أنَّ الأمرَ أنفٌ : يعني أنّه(2) مستأَنَفٌ لم يسبق به سابقُ قدرٍ مِنَ اللهِ عز وجل ، وقد غلَّظ ابنُ عمرَ عليهم ، وتبرّأ منهم ، وأخبرَ أنّه لا تُقبلُ منهم أعمالُهم بدونِ الإيمانِ بالقدر(3) .
والإيمانُ بالقدرِ على درجتين(4) :
إحداهما : الإيمان بأنَّ الله تعالى سبقَ(5) في علمه ما يَعمَلُهُ العبادُ من خَيرٍ
وشرٍّ وطاعةٍ ومعصيةٍ قبلَ خلقهِم وإيجادهم، ومَنْ هُو منهم مِنْ أهلِ الجنَّةِ، ومِنْ أهلِ النَّارِ، وأعدَّ لهُم الثَّوابَ والعقابَ جزاءً لأعمالهم قبل خلقِهم وتكوينهم ، وأنَّه
كتبَ ذلك عندَه وأحصاهُ(6) ، وأنَّ أعمالَ العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه(7) .
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( ما أخبروا به غير ذلك من الملائكة والكتب والأنبياء ) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) انظر : مجموعة الفتاوى لابن تيمية 13/23 .
(4) انظر : شرح العقيدة الواسطية : 442 .
(5) في ( ص ) : ( الإيمان بالله أنه سبق ) .
(6) زاد بعدها في (ص ) : ( وأعد لهم ) .
(7) انظر : شرح العقيدة الواسطية : 442 - 443 .
● [ الصفحة التالية ] ●
والدرجةُ الثانية : أنَّ الله تعالى خلقَ أفعالَ عبادِهِ كلَّها(1) مِنَ الكُفر والإيمانِ والطاعةِ والعصيانِ وشاءها منهم ، فهذه الدَّرجةُ(2) يُثبِتُها أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ ، ويُنكرها القدريةُ ، والدرجةُ الأولى أثبتها كثيرٌ مِنَ القدريَّةِ ، ونفاها غُلاتُهم ، كمعبدٍ الجُهنيِّ ، الذي سُئِل ابنُ عمرَ عنْ مقالتِهِ ، وكعمرو بن عُبيدٍ وغيره(3).
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : ( الثانية ) .
(3) انقسم الناس في باب القدر إلى ثلاثة أقسام :
قسم آمنوا بقدر الله - عز وجل - وغلوا في إثباته ، حتى سلبوا الإنسان قدرته واختياره ، وقالوا : إنَّ الله فاعل كل شيء ، وليس للعبد اختيار وَلا قدرة ، وإنما يفعل الفعل مجبراً عليه ، بل إنَّ بعضهم ادعى أنَّ فعل العبد هو فِعل الله ، ولهذا دخل من بابهم أهل الاتحاد والحلول ، وهؤلاء هم الجبرية .
والقسم الثاني قالوا : إنّ العبد مستقل بفعله، وليس لله فيه مشيئة ولا تقدير، حتى غلا بعضهم ، فقال : إنَّ الله لا يعلم فعل العبد إلاّ إذا فعله ، أما قبل فلا يعلم عنه شيئاً ، وهؤلاء هم القدرية ، مجوس هذه الأمُة .
فالأولون غلوا في إثبات أفعال الله وقدره وقالوا : إنَّ الله - عز وجل - يجبر الإنسان على فِعله ، وليس للإنسان اختيار .
والآخرون غلوا في إثبات قدرة العبد ، وقالوا : إنَّ القدرة الإلهية والمشيئة الإلهية لا عِلاقة لها في فِعل العَبد ، فهو الفاعِل المطلق الاختيار .
القسم الثالث : أهل السنة والجماعة ، قالوا : نحن نأخذ بالحق الذي مع الجانبين ، فنقول : إنّ فعل العبد واقع بمشيئة الله وخلق الله ، ولا يمكن أنْ يكون في ملك الله مالا يشاؤه أبداً ، والإنسان له اختيار وإرادة ، ويفرق بين الفِعل الذي يضطر إليه ، والفعل الذي يختاره ، فأفعال العباد باختيارهم وإرادتهم ، ومع ذلك فهي واقعة بمشيئة الله وخلقه . شرح العقيدة الواسطية : 364 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد قال كثيرٌ من أئمة السّلفِ : ناظرُوا القدريَّةَ بالعلمِ ، فإنْ أقرُّوا به
خُصِمُوا ، وإنْ جحدوه ، فقد كفروا ، يريدونَ أنَّ مَنْ(1) أنكَرَ العلمَ القديمَ السَّابِقَ بأفعالِ العبادِ ، وأنَّ الله قَسمهم قبلَ خلقِهم إلى شقيٍّ وسعيدٍ ، وكتبَ ذلك عندَه في كتابٍ حفيظٍ ، فقد كذَّب بالقُرآن ، فيكفُرُ بذلك ، وإنْ أقرُّوا بذلك ، وأنكروا أنَّ الله خلق أفعالَ عباده ، وشاءها ، وأرادها منهم إرادةً كونيةً قدريةً ، فقد خصمُوا ؛ لأنَّ ما أقرُّوا به حُجَّةٌ عليهم فيما أنكروه . وفي تكفير هؤلاءِ نزاعٌ مشهورٌ بينَ العُلماءِ(2) .
وأمّا من أنكرَ العلمَ القديمَ ، فنصَّ الشّافعيُّ وأحمدُ على تكفيرِهِ ، وكذلك غيرُهما مِنْ أئمةِ الإسلام(3) .
فإنْ قيل : فقدْ فرَّق النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث بينَ الإسلام والإيمانِ ، وجعلَ الأعمالَ كلَّها من الإسلامِ ، لا مِنَ الإيمانِ ، والمشهورُ عنِ السَّلفِ وأهلِ الحديثِ أنَّ الإيمانَ : قولٌ وعملٌ ونيةٌ ، وأنَّ الأعمالَ كلَّها داخلةٌ في مُسمَّى الإيمانِ(4) . وحكى الشافعيُّ على ذلك إجماعَ الصَّحابةِ والتَّابعين ومن بعدَهم ممَّن أدركهم(5) .
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) انظر : شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز : 271 – 272 .
(3) انظر : مجموعة الفتاوي لابن تيمية 7/241 .
(4) انظر : الإيمان لابن تيمية : 231 ، ومختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 177 .
(5) انظر : مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 177 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وأنكرَ السَّلفُ على مَنْ أخرجَ الأعمالَ عنِ الإيمانِ إنكاراً شديداً ، وممَّن أنكرَ ذلك على قائله، وجعلَه قولاً مُحدَثاً : سعيدُ بنُ جبيرٍ ، وميمونُ بنُ مِهرانَ ، وقتادةُ، وأيُّوبُ السَّختيانيُّ ، وإبراهيمُ النَّخعي(1) ، والزُّهريُّ ، ويحيى بنُ أبي كثيرٍ ، وغيرُهم . وقال الثَّوريُّ : هو رأيٌ محدَثٌ ، أدركنا الناس على غيره . وقال الأوزاعيُّ : كان مَنْ مضى ممَّن سلف لا يُفَرِّقون بين الإيمان(2) والعمل(3) .
وكتب عمرُ بنُ عبد العزيز إلى أهل الأمصارِ : أمَّا بعدُ ، فإنَّ للإيمانِ فرائضَ وشرائعَ وحدوداً وسنناً(4) ، فمن استكملَها ، استكملَ الإيمانَ ، ومن لم يَستكْمِلها ، لم يستكملِ الإيمانَ ، ذكره البخاري في " صحيحه "(5) .
قيل : الأمر على ما ذكره ، وقد دلّ على دُخول الأعمالِ في الإيمان قولُه تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } (6) .
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( والنخعي ) فقط .
(2) في ( ص ) : ( لا يعرفون الإيمان ) .
(3) انظر : مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 177-178 .
(4) عبارة : ( وحدوداً وسنناً ) لم ترد في ( ص ) .
(5) 1/8 قبيل ( 8 ) تعليقاً ، وقد وصله ابن أبي شيبة في المصنف ( 30962 ) طبعة الرشد .
(6) الأنفال : 2-4 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي " الصحيحين "(1) عنِ ابنِ عبّاسٍ : أنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لوفدِ عبدِ القيسِ :
( آمركُم بأربعٍ : الإيمانِ بالله وحده (2)، وهل تدرونَ ما الإيمانُ بالله ؟ شهادةُ أنْ لا إله إلاّ الله ، وإقامِ الصّلاةِ ، وإيتاءِ الزكاةِ ، وصومِ رمضانَ ، وأنْ تُعطُوا من المَغنَمِ الخُمْسَ ) .
وفي " الصحيحين " (3) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الإيمانُ بِضعٌ وسَبعونَ ، أو بضعٌ وستُّون شُعبة ، فأفضلُها : قولُ لا إله إلا الله ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق ، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمان ) ولفظه لمسلم .
-------------------------
(1) صحيح البخاري 1/20 ( 53 ) و1/32 ( 87 ) و1/139 ( 523 ) و2/131 ( 1398 ) و4/98 ( 3095 ) و4/220 ( 3510 ) و5/213 ( 4368 ) و( 4369 ) و8/50 ( 6176 ) و9/111 ( 7266 ) و9/197 ( 7556 ) ، وصحيح مسلم 1/35 ( 17 ) ( 23 ) و( 24 ) و1/36 ( 17 ) ( 25 ) .
(2) وحده ) لم ترد في ( ص ) .
(3) صحيح البخاري 1/9 ( 9 ) ، وصحيح مسلم 1/46 ( 35 ) ( 57 ) و( 58 ) .
وأخرجه : معمر في"جامعه" ( 20105 ) ، والطيالسي ( 2402 ) ، وأبو عبيد في " الإيمان " ( 4 ) ، وأحمد 2/379 و414 و442 و445 ، والبخاري في "الأدب المفرد" ( 598 ) ، وأبو داود ( 4676 ) ، وابن ماجه ( 57 ) ، والترمذي ( 2614 ) ، والنسائي 8/110 وفي " الكبرى " ، له ( 11735 ) و( 11736 ) و( 11737 ) من حديث أبي هريرة ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي " الصحيحين " (1) عن أبي هُريرة ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا يزني الزّاني حينَ يزني وهو مُؤمنٌ ، ولا يَسرقُ السّارق حين يسرق وهو مؤمنٌ ، ولا يشرب الخمر حينَ يشربها وهو مؤمنٌ ) فلولا أنَّ تركَ هذه الكَبَائِرَ مِنْ مُسمَّى الإيمان لما انتفى اسمُ الإيمانِ عن مرتكبِ شيءٍ منها ؛ لأنَّ الاسمَ لا ينتفى إلاَّ بانتفاءِ بعض أركانِ المسمّى ، أو واجباتِه(2) .
وأما وجهُ الجمعِ بينَ هذه النُّصوص وبينَ حديثِ سُؤال(3) جبريلَ - عليه السلام - عَنِ الإسلامِ والإيمانِ ، وتفريق النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بينهما ، وإدخاله الأعمالَ في مُسمَّى الإسلامِ دونَ مُسمَّى الإيمانِ ، فإنَّه يتضح بتقريرِ أصلٍ ، وهو أنّ مِنَ الأسماءِ ما يكونُ شاملاً لمسمّياتٍ مُتعدِّدةٍ عندَ إفرادِه وإطلاقه ، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالاًّ على بعضِ تلك المسمَّياتِ ، والاسمُ المقرونُ به دالٌّ على باقيها ، وهذا كاسم الفقيرِ والمسكينِ ، فإذا أُفردَ أحدُهما دخل فيه كلُّ مَنْ هو محتاجٌ ، فإذا قُرن أحدُهما بالآخر دلَّ أحدُ الاسمين على بعضِ أنواعِ ذوي الحاجاتِ(4) ، والآخر على باقيها ، فهكذا اسمُ الإسلامِ والإيمانِ : إذا أُفرد أحدُهما ، دخل فيه الآخر ، ودلّ بانفرادِه على ما يدلُّ عليه الآخرُ(5) بانفراده ، فإذا قُرِنَ بينَهُما دلّ أحدُهما على بعض ما يدلُّ عليه بانفرادهِ ، ودلَّ الآخر على الباقي(6) .
-------------------------
(1) صحيح البخاري 3/178 ( 2475 ) و7/135 ( 5578 ) و8/195 ( 6772 ) و8/204 ( 6810 ) ،
وصحيح مسلم 1/54 ( 57 ) ( 100 ) و( 101 ) و1/55 ( 57 ) ( 102 ) و( 103 ) و( 104 ) و( 105 ) .
(2) انظر : الإيمان لابن تيمية : 240 و249 .
(3) سقطت من ( ص ) .
(4) في ( ص ) : ( بعض ذي الحاجة ) .
(5) في ( ص ) : ( الاسم ) .
(6) انظر : الإيمان لابن تيمية : 261 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد صرَّح بهذا المعنى جماعةٌ مِنَ الأئمّةِ . قال أبو بكر الإسماعيليُّ في رسالته إلى أهل الجبل : قال كثيرٌ مِنْ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة : إنّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ(1) ، والإسلام فعل ما فُرِضَ على الإنسانِ أنْ يفعَله إذا ذكر كلُّ اسمٍ على حِدَتِه مضموماً إلى
الآخر ، فقيل : المؤمنونَ والمسلمونَ جميعاً مفردين ، أُريدَ بأحدهما معنى لم يُرَدْ بالآخر ، وإذا ذُكِرَ أحدُ الاسمين ، شَمِلَ(2) الكُلَّ وعمَّهم(3) .
وقد ذكر هذا المعنى أيضاً الخطابيُّ في كتابه " معالم السنن "(4) ، وتَبِعَهُ عليه جماعةٌ من العُلَماء من بعده .
ويدلُّ على صحَّةِ ذلك أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَّرَ الإيمانَ عند ذكرِه مفرداً في حديث وفد عبدِ القيسِ بما فسّر به الإسلامَ المقرونَ بالإيمانِ في حديثِ جبريلَ(5) ، وفسَّر في حديثٍ آخرَ الإسلامَ بما فسّر به الإيمانَ ، كما في " مسند الإمام أحمد " (6)
-------------------------
(1) انظر : الإيمان لابن تيمية : 259 ، ومختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 173 .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : ( الآخر ) .
(3) انظر : مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 176-177 .
(4) 4/292 . وانظر : مجموعة الفتاوى 7/225 .
(5) انظر : مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 177 .
(6) 4/114 .
وأخرجه : معمر في " جامعه " ( 20107 ) ، وعبد بن حميد ( 301 ) من حديث عمرو بن عبسة ، به ، وهو حديث صحيح.
● [ لشرح هذا الحديث بقية ] ●


جامع العلوم والحكم
لإبن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 17 ديسمبر 2018, 12:04 pm