تابع الحديث الرابع

شاطر

بنوتات
Admin

عدد المساهمات : 1896
تاريخ التسجيل : 03/11/2013
الموقع : alktaket2@gmail.com

تابع الحديث الرابع

مُساهمة من طرف بنوتات في الجمعة 07 ديسمبر 2018, 7:19 pm


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ تابع الحديث الرابع ] ●

عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ - رضي الله عنه - قالَ : حَدَّثنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهُوَ الصَّادِقُ المَصدوقُ : ( إنَّ أَحَدَكُم يُجْمَعُ خلقُهُ في بَطنِ أُمِّهِ أَربعينَ يَوماً نطفة (1) ، ثمَّ يكونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلكَ ، ثمَّ يكونُ مُضغةً مِثلَ ذلكَ ، ثمَّ يُرسلُ الله إليه المَلَك ، فيَنْفُخُ فيه الرُّوحَ ، ويُؤْمَرُ بأربَعِ كلماتٍ : بِكَتْب رِزقه وعمله وأجَلِه ، وشقيٌّ أو سَعيدٌ ، فوالذي لا إله غيره إنَّ أحدكُم ليَعْمَلُ بعمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتَّى ما يكونَ بينَهُ وبَينها إلاَّ ذِراعٌ ، فيَسبِقُ عليهِ الكتابُ فَيعمَلُ بعمَلِ أهل النَّار فيدخُلها ، وإنَّ أحدكم ليَعمَلُ بعملِ أهل النَّارِ حتّى ما يكون بينَهُ وبينها إلاَّ ذِراعٌ ، فيسبِقُ عليه الكِتابُ ، فيعمَلُ بعملِ أهل الجنَّةِ فيدخُلُها )
رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ .

متابعة الشرح
وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود أنْ لا تصويرَ قبل ثمانين يوماً ، فروى السُّدِّيُّ ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مُرَّةَ الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناسٍ من أصحاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في قوله - عز وجل - : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ } (1) ، قال : إذا وقعتِ النطفة في الأرحامِ ، طارت في الجسد أربعين يوماً ، ثم تكونُ علقةً أربعين يوماً ، ثم تكونُ مضغةً أربعين يوماً ، فإذا بلغ أن تُخلَّق ، بعث الله ملكاً يصوّرها ، فيأتي الملَكُ بترابٍ بين أصبعيه ، فيخلطه في المضغة ، ثم يعجنه بها ، ثم يصوِّرها(2) كما يؤمر فيقول : أذكرٌ أو أنثى ؟ أشقيٌّ أو سعيد ؟ وما رزقه ؟ وما عمره ، وما أثره ؟ وما مصائبه ؟ فيقول الله تبارك وتعالى ، ويكتب المَلَك ، فإذا مات ذلك الجسدُ ، دُفِنَ حيثُ أخذ ذلك التراب ، خرَّجه ابن جرير الطبري في " تفسيره "(3) ، ولكن السدي مختلف في أمره(4)
-------------------------
(1) آل عمران : 6 .
(2) من قوله : ( فيأتي الملك بتراب ... ) إلى هنا لم ترد في ( ص ) .
(3) التفسير ( 5159 ) ، وطبعة التركي 5/186-187، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ( 3156 ) ، ومن تخليط محققه أنَّه عزاه لمسلم !!
(4) هو إسماعيل بن عبد الرحمان بن أبي كريمة ، وهو مختلف فيه وهو إلى القوة أقرب ، وهناك شخص آخر يقال له : السُّدّي : هو محمد بن مروان بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الرحمان مولى عبد الرحمان بن زيد بن الخطاب المعروف بالسدّي الصغير ، قال عنه الإمام أحمد : أدركته وقد كبر فتركته ، وقال البخاري : سكتوا عنه ولا يكتب حديثه البتة ، وقال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول : هو ذاهب الحديث ، متروك الحديث ، لا يكتب حديثه البتة ، وقال النسائي : يروي عن الكلبي ، متروك الحديث ، وقال أبو جعفر الطبري : لا يحتج بحديثه ، وقال ابن عدي : الضعف على رواياته بين .
انظر : التاريخ الكبير 1/233 ( 729 ) ، والضعفاء والمتروكين للبخاري ( 340 ) ، وللنسائي ( 538 ) ، والضعفاء الكبير 4/136 ( 1696 ) ، والجرح والتعديل 8/100 ( 364 )، والكامل 7/512 ، والأنساب 3/28 ، وميزان الاعتدال 4/32-33 ( 8154 )، والكشف الحثيث ( 728 ) ، وتهذيب التهذيب 9/377-378 ( 6573 ) ، وقد ترجمت للثاني ؛ لأنَّ كثيراً من طلبة العلم يخلطون بينهما .
● [ الصفحة التالية ] ●
، وكان الإمام أحمد ينكر عليه جمعهُ الأسانيد المتعددة للتفسير الواحد(1) ، كما كان هو وغيرُه يُنكرون على الواقدي جمعه الأسانيدَ المتعددة للحديثِ الواحد .
وقد أخذ طوائف من الفقهاء بظاهر هذه الرواية ، وتأوَّلوا حديثَ ابنِ مسعود المرفوع عليها ، وقالوا : أقلُّ ما يتبيَّن فيه(2) خلق الولد أحد وثمانون يوماً ؛ لأنَّه لا يكون مُضغةً إلاّ في الأربعين الثالثة ، ولا يتخلق قبل أنْ يكون مضغةً(3) .
وقال أصحابُنا وأصحابُ الشافعي بناءً على هذا الأصل: إنَّه لا تنقضي العدَّةُ ، ولا تعتق أم الولد إلا بالمضغة المخلَّقة(4)
-------------------------
(1) هذه من العلل الخفية التي لا يدركها إلاّ الأئمة النقاد، قال ابن رجب في "شرح علل الترمذي" 2/816 : ( إنَّ الرجل إذا جمع بين حديث جماعة ، وساق الحديث سياقة واحدة فالظاهر أنَّ لفظهم لم يتفق فلا يقبل هذا الجمع إلاّ من حافظ متقن لحديثه ، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك ، وغيره .
وكان الجمع بين الشيوخ ينكر على الواقدي وغيره ممن لا يضبط هذا ، كما أُنكر على ابن إسحاق وغيره . وقد أنكر شعبة أيضاً على عوف الأعرابي ) .
(2) سقطت من ( ج ) .
(3) انظر : فتح الباري 12/595 .
(4) قال عمر بن الخطاب : إذا ولدت الأمة من سيدها فقد عتقت وإن كان سقطاً . انظر : المغني لابن قدامة 12/504 .
وقال الحسن : إذا أسقطت أم الولد شيئاً يعلم أنّه حمل عتقت به وصارت أم ولد . انظر : السنن الكبرى للبيهقي 10/348 .
والمخلقة : هي المنتقلة عن اسم النطفة وحدها وصفتها إلى أن خلقها الله - عز وجل - علقة كما في القرآن فهي حينئذٍ ولد مخلق فهي بسقوطه أو ببقاءه أم ولد . انظر : المحلى 10/118، وعند مالك والأوزاعي وغيرهما : المضغة إذا كانت مخلقة أو غير مخلقة تكون الأمة أم ولد ، وقال الشافعي وأبو حنيفة : إن كان قدْ تبين شيء من خلق بني آدم أصبع ، أو عين ، أو غير ذلك فهي أم ولد . انظر : تفسير القرطبي 12/9 .
● [ الصفحة التالية ] ●
، وأقلُّ ما يمكن أنْ يتخلق ويتصوَّر في أحد وثمانين يوماً .
وقال أحمد في العلقة : هي دم لا يستبين فيها الخلقُ ، فإن كانت المضغةُ غيرَ مخلقة ، فهل تنقضي بها العدِّة ، وتصيرُ أمُّ الولد بها مستولدةً ؟ على قولين ، هما روايتان عن أحمد(1) ، وإنْ لم يظهر فيها التخطيط ، ولكن كان خفياً لا يعرفه إلا أهل الخبرة مِنَ النِّساء ، فشهِدْن بذلك ، قُبِلَت شهادتُهنَّ ، ولا فرق بين أنْ يكونَ بعد تمام أربعة أشهر أو قبلها عند أكثر العلماء ، ونصَّ على ذلك الإمام أحمد في رواية خلق من أصحابه ، ونقل عنه ابنه صالح في الطفل في الأربعة يتبين خلقه (2).
-------------------------
(1) تنقضي به العدة وتصير به أم ولد على ما نقله حنبل ، ولا تنقضي به العدة ولا تصير به أم ولد ولا يتعلق به شيء من الأحكام على ما نقل أبو طالب والأثرم . وقال الأثرم لأبي عبد الله : أم الولد إذا أسقطت لا تعتق ؟ فقال : إذا تبين فيه يد أو رجل أو شيء من خلقه فقد عتقت ، وهذا قول الحسن والشافعي ، وروى يوسف بن موسى : أن أبا عبد الله قيل له : ما تقول في الأمة إذا ألقت مضغة أو علقة ؟ قال : تعتق .
انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 2/213 مسألة ( 157 ) ، والمغني لابن قدامة 12/504 .
(2) في ( ص ) : ( يتبين خلقه في أربعة أشهر ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
قال الشعبي : إذا نُكِسَ في الخلق الرابع كان مخلقاً ، انقضت به العدة ، وعتقَتْ به الأمةُ إذا كان لأربعة أشهر(1) ، وكذا نقل عنه حنبل : إذا اسقطت أمُّ الولدِ ، فإنْ كان خِلقة تامة ، عتقَت ، وانقضت به العدةُ إذا دخل في الخلق الرابع في أربعة أشهر ينفخ فيه الروح ، وهذا يخالف رواية الجماعة عنه ، وقد قال أحمد في رواية عنه : إذا تبين خلقُه ، ليس فيه اختلاف أنَّها تعتق بذلك إذا كانت أمةً ، ونقل عنه جماعة أيضاً في العلقة إذا تبيَّن أنَّها ولدٌ أنَّ الأمةَ تُعتق بها ، وهو قولُ النَّخعي ، وحكي قولاً للشافعي ، ومِنْ أصحابِنا من طرَّدَ هذه الرواية عن أحمد في انقضاء العدَّة به أيضاً . وهذا كلُّه مبنيٌّ على أنَّه يمكن التَّخليق في العلقة كما قد يستدلُّ على ذلك بحديث حذيفة بن أسيد المتقدِّم إلاَّ أنْ يقال : حديث حذيفة إنَّما يدلُّ على أنَّه يتخلَّق إذا صار لحماً وعظماً ، وإنَّ ذلك قد يقع في الأربعين الثانية ، لا في حالِ كونِهِ علقةً ، وفي ذلك نظر (2) ، والله أعلم .
وما ذكره الأطباء يدلُّ على أنَّ العلقة تتخلق وتتخطَّط ، وكذلك القوابِل مِنَ النِّسوة يشهدن بذلك ، وحديث مالك بن الحويرث يشهد بالتصوير في حال(3) كون الجنين نطفة أيضاً ، والله تعالى أعلم .
وبقي في حديث ابنِ مسعود أنَّ بعدَ مصيره مضغةً أنَّه يُبعث إليه الملَكُ ، فيكتب الكلمات الأربعَ ، ويَنفُخُ فيه الروحَ ، وذلك كلُّه بعد مئة وعشرين يوماً .
-------------------------
(1) انظر : المغني لابن قدامة 12/405 .
(2) عبارة : ( وفي ذلك نظر ) سقطت من ( ص ) .
(3) سقطت من ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
واختلفت ألفاظُ روايات هذا الحديثِ في ترتيب الكتابة والنفخ ، ففي رواية البخاري في " صحيحه " (1) : ( ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلماتٍ ، ثم ينفخ فيه الروح ) ففي هذه الرواية تصريحٌ بتأخُّر نفخ الرُّوح عن الكتابة ، وفي رواية خرّجها البيهقي في كتاب " القدر " (2) : ( ثم يُبعث الملكُ ، فينفخ فيه الروحَ ، ثُمَّ يُؤْمرُ بأربع كلمات ) ، وهذه الرواية تصرِّحُ بتقدم النفخ على الكتابة ، فإما أنْ يكون هذا مِنْ تصرُّف الرُّواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه ، وإمَّا أنْ يكون المرادُ ترتيب الإخبار فقط ، لا ترتيبَ ما أخبر به .
وبكل حالٍ ، فحديثُ ابن مسعود يدلُّ على تأخُّرِ نفخِ الرُّوح في الجنين وكتابة الملك لأمره إلى بعد أربعة أشهر حتّى تتمَّ الأربعون الثالثة . فأمَّا نفخُ الرُّوح ، فقد روي صريحاً عن الصَّحابة أنَّه إنَّما ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهرٍ ، كما دلَّ عليه ظاهرُ حديث ابن مسعود . فروى زيدُ بنُ عليٍّ ، عن أبيه ، عن عليٍّ ، قال : إذا تمَّتِ النُّطفة أربعة أشهر بُعِثَ إليها مَلَكٌ ، فنَفَخَ فيها الروح في الظلمات ، فذلك قولُه تعالى : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ } (3) ، خرَّجه ابن أبي حاتم(4) ، وهو إسناد منقطع(5) .
-------------------------
(1) الصحيح 4/135 ( 3208 ) و4/161 ( 3332 ) و9/165 ( 7454 ) .
(2) وفي " السنن الكبرى " 7/441 و10/266 .
(3) المؤمنون : 14 .
(4) كما في " تفسير ابن كثير " 1292 ، و" الدر المنثور " 5/12 ، والمطبوع من " تفسير ابن أبي حاتم " فيه سقط في هذا الموضع .
(5) انظر : فتح الباري 11/591 ، وعلي بن الحسين لم يسمع من جده على بن أبي طالب - رضي الله عنه - .
● [ الصفحة التالية ] ●
وخرَّج اللالكائي بإسنادِه عن ابنِ عباس ، قال : إذا وقعت النطفةُ في الرَّحم ، مكثت أربعة أشهر وعشراً ، ثم نفخ فيها الروح ، ثم مكثَت أربعينَ ليلةً ، ثم بُعِثَ إليها ملكٌ ، فنقفها في نُقرة القفا ، وكتب شقياً أو سعيداً(1) ، وفي إسناده نظر(2) ، وفيه أنَّ نفخ الروح يتأخر عن الأربعة أشهر بعشرة أيام .
وبنى الإمام أحمد مذهبه المشهور عنه على ظاهر حديث ابن مسعود ، وأنَّ الطفل يُنفخ فيه الرُّوح بعد الأربعة أشهر ، وأنَّه إذا سقط بعد تمام أربعة أشهر ، صُلِّيَ عليه(3) ؛ حيث كان قد نفخ فيه الروح ثم مات . وحكي ذلك أيضاً عن سعيد ابن المسيب(4) وهو أحد أقوال الشافعي وإسحاق(5) ، ونقل غيرُ واحدٍ عن أحمد أنَّه قال : إذا بلغ أربعة أشهر وعشراً(6) ، ففي تلك العشر يُنفخ فيه الروح ، ويُصلَّى عليه . وقال في رواية أبي الحارث عنه : تكون النَّسمةُ نطفةً أربعين ليلةً ، وعلقةً أربعين ليلةً ، ومُضغةً أربعين ليلةً ، ثم تكونُ عظماً ولحماً ، فإذا تمَّ أربعة أشهر وعشراً(7) ، نفخ فيه الروح .
-------------------------
(1) في " أصول الاعتقاد " ( 1060 ) .
(2) فيه محمد بن حميد الرازي ضعيف .
انظر : التاريخ الكبير 1/71 ( 167 ) ، والضعفاء الكبير 4/61 ( 1612 ) ، والمجروحين 2/296 ، وتهذيب الكمال 6/285 ( 5756 ) ، وميزان الاعتدال 3/530 ( 7453 ) ، والتقريب ( 5834 ) .
(3) انظر : المغني لابن قدامة 2/392 .
(4) انظر : فتح الباري 11/591 .
(5) انظر : المغني لابن قدامة 2/392 ، ورؤوس المسائل الخلافية 2/247 مسألة ( 379 ) .
(6) انظر : فتح الباري 11/591 .
(7) سقطت من ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
فظاهر هذه الرواية أنَّه لا ينفخ فيه الرُّوح إلاَّ بعد تمام أربعةِ أشهر وعشر ،
كما رُوي عن ابنِ عباس ، والروايات التي قبل هذه عن أحمد إنَّما تدلُّ على أنَّه يُنفخ
فيه الرُّوح في مدَّة العشر بعد تمام الأربعة ، وهذا هو المعروف عنه ، وكذا قال ابن المسيب لمَّا سُئِلَ عن عِدَّةِ الوفاة حيث جعلت أربعة أشهر وعشراً : ما بال العشر ؟ قالَ : ينفخ فيها الروح .
وأما أهل الطب ، فذكروا أنَّ الجنين إنْ تصوَّر في خمسة وثلاثين يوماً ، تحرَّك في سبعين يوماً، وولد في مئتين وعشرة أيام، وذلك سبعةُ أشهر ، وربَّما تقدَّم أياماً ، وتأخر في التصوير والولادة ، وإذا كان التصوير في خمسة وأربعين يوماً(1) ، تحرَّك في تسعين يوماً ، ووُلد في مئتين وسبعين يوماً ، وذلك تسعةُ أشهرٍ ، والله أعلم .
-------------------------
(1) من قوله : ( تحرك في سبعين يوماً ... ) إلى هنا لم يرد في ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وأما كتابة الملك ، فحديث ابن مسعود يدلُّ على أنَّها تكونُ(1) بعد الأربعة أشهر أيضاً على ما سبق ، وفي " الصحيحين "(2) عن أنس ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ( وكَّلَ الله بالرَّحِم مَلَكاً يقول : أي ربِّ نطفة ، أي ربِّ علقة ، أي ربِّ مضغة ، فإذا أراد الله أنْ يقضي خلقاً ، قالَ : يا ربِّ أذكرٌ أم أنثى ؟ أشقيٌّ أم سعيد ؟ فما الرزقُ ؟ فما الأجل ؟ فيكتب كذلك في بطن أمه ) وظاهر هذا يُوافق حديث ابن مسعود ؛ لكن ليس فيه تقدير مدة ، وحديث حذيفة بن أسيد الذي تقدم يدلُّ على أنَّ الكتابة تكون في أوَّل الأربعين الثانية ، وخرجه مسلم(3) أيضاً بلفظٍ آخر من حديث حُذيفة بن أسيد يَبلُغُ به النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يدخلُ المَلَكُ على النطفة بعد ما تستقرُّ في الرَّحمِ بأربعين أو خمسة وأربعين ليلةً(4)، فيقول : يا ربِّ أشقيٌّ أو سعيد ؟ فيكتبان ، فيقول : أي ربِّ أذكر أو أنثى ؟ فيكتبانِ ، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ، ثُمَّ تُطوى الصحفُ ، فلا يزادُ فيها ولا ينقصُ ) .
وفي رواية أخرى لمسلم(5) أيضاً : ( إنَّ النطفة تَقَعُ في الرَّحِم أربعينَ ليلةً ثُمَّ يتسوَّر عليها الملكُ فيقول : يا ربِّ أذكر أم أنثى ؟ ) وذكر الحديثَ . وفي رواية أخرى لمسلم(6) أيضاً : ( لبضع وأربعينَ ليلةً ) .
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) صحيح البخاري 1/87 ( 318 ) و4/162 ( 3333 ) و8/152 ( 6595 ) ، وصحيح مسلم 8/46 ( 2646 ) ( 5 ) .
(3) في " صحيحه " 8/45 ( 2644 ) ( 2 ) .
(4) في ( ص ) : ( يوماً ) .
(5) في " صحيحه " 8/46 ( 2645 ) ( 4 ) .
(6) نفس المصدر السابق .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي " مسند الإمام أحمد "(1) من حديث جابر ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا استقرَّتِ النطفةُ في الرَّحم أربعين يوماً ، أو أربعين ليلةً بُعِثَ إليها ملكٌ ، فيقول : يا ربِّ ، شقيٌّ أو سعيد ؟ فيعلم ) .
وقد سبق ما رواه الشَّعبيُّ ، عن علقمة ، عن ابن مسعودٍ من قوله ، وظاهره يدلُّ على أنَّ المَلَكَ يُبعثُ إليه وهو نطفة ، وقد رُوي عن ابن مسعود من وجهين آخرين أنَّه قالَ : ( إنَّ الله - عز وجل - تُعرَضُ عليهِ كلَّ يومٍ(2) أعمالُ بني آدم ، فينظر فيها ثلاثَ ساعاتٍ ، ثمَّ يُؤتى بالأرحام ، فينظر فيها ثلاثَ ساعاتٍ ، وهو قوله: { يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ } (3)، وقوله : { يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً } (4)، ويُؤْتى بالأرزاق ، فينظر فيها ثلاثَ ساعاتٍ ، وتسبحه الملائكةُ ثلاث ساعاتٍ ، قالَ : فهذا مِنْ شأنِكم وشأنِ ربِّكم(5) ) ولكن ليس(6) في هذا توقيتُ ما يُنظر فيه مِنَ الأرحام بمدَّة .
-------------------------
(1) " المسند " 3/397 ، وإسناده ضعيف لضعف خصيف بن عبد الرحمان الجزري.
(2) عبارة : ( كل يوم ) سقطت من ( ص ) .
(3) آل عمران : 6 .
(4) الشورى : 49 .
(5) أخرجه الطبراني في " الكبير " ( 8886 ) ، وأبو الشيخ في " العظمة " 2/478 ، وأبو نعيم في " الحلية " 1/137 ، وإسناده ضعيف .
(6) في ( ص ) : ( وليس ) بإسقاط ( لكن ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد رُوي عن جماعة من الصحابة أنَّ الكتابة تكون في الأربعين الثانية ، فخرج اللالكائي(1) بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قالَ : إذا مكثتِ النطفة في رحِم المرأة أربعين ليلةً ، جاءها مَلَكٌ ، فاختلَجَها ، ثُمَّ عرجَ بها إلى الرَّحمان - عز وجل - ، فيقول : اخلُق يا أحسنَ الخالقين ، فيقضي الله فيها ما يشاءُ مِنْ أمره ، ثُمَّ تدفع إلى الملك عندَ ذَلِكَ ، فيقول : يا ربّ أسَقْطٌ أم تام ؟ فيبين له ، ثم يقول : يا ربِّ(2) أناقصُ الأجل أم تام الأجل ؟ فيبين له ، ويقول : يا ربِّ أواحد أم توأم ؟ فيبين له ، فيقول : يا ربّ أذكر أم أنثى(3) ؟ فيبين له ، ثم يقول : يا ربِّ ، أشقيٌّ أم سعيد ؟ فيبين له ، ثم يقول : يا ربِّ اقطع له رزقه ، فيقطع له رزقه مع أجله ، فيهبط بهما جميعاً . فوالذي نفسي بيده لا ينال من الدنيا إلا ما قسم له .
وخرَّج ابن أبي حاتم(4) بإسناده(5) عن أبي ذر ، قال : إنَّ المني يمكثُ في الرَّحم أربعينَ ليلةً ، فيأتيه مَلَكُ النُّفوس ، فيعرج به إلى الجبَّار - عز وجل - ، فيقول : يا ربّ أذكرٌ أم أنثى ؟ فيقضي الله - عز وجل - ما هو قاضٍ ، ثم يقول : يا ربّ ، أشقيٌّ أم سعيد ؟ فيكتب ما هو لاقٍ بين يديه ، ثم تلا أبو ذر من فاتحة سورة التغابن إلى قوله : { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } (6) .
-------------------------
(1) في " أصول الاعتقاد " ( 1236 ) ، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة .
(2) يا رب ) لم ترد في ( ص ) .
(3) من قوله : ( فيبين له ، ويقول : يارب أواحد ... ) إلى هنا سقط من ( ص ) .
(4) في " تفسيره " ( 18902 ) .
وأخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 26489 ) ، وطبعة التركي 23/6 ، والفريابي في "القدر" ( 123 ) ، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة .
(5) لم ترد في ( ص ) .
(6) التغابن : 3 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وهذا كله يوافق ما في حديث حذيفة بن أسيدٍ . وقد تقدم عن ابن عباس أنَّ كتابة الملَكِ تكونُ بعدَ نفخِ الروح بأربعين ليلة وأنَّ إسناده فيه نظر .
وقد جمع بعضُهم بين هذه الأحاديث والآثار ، وبينَ حديث ابن مسعود ، فأثبت الكتابة مرَّتين ، وقد يقال مع ذلك : إنَّ إحداهما في السماء والأخرى في بطن الأم، والأظهر - والله أعلم - أنَّها مرَّة واحدة ، ولعلَّ ذلك يختلف باختلاف الأجنَّة، فبعضهم يُكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى ، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة(1) .(2)
وقد يقال : إنَّ لفظة ( ثُمَّ ) في حديث ابن مسعود إنَّما أريد به ترتيب الإخبار ، لا ترتيب المخبر عنه في نفسه(3) ، والله أعلم .
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( الثانية ) .
(2) انظر : فتح الباري 11/592 .
(3) انظر : فتح الباري 11/591 .
● [ الصفحة التالية ] ●
ومن المتأخرين من رجَّح أنَّ الكتابة تكونُ في أوَّل الأربعين الثانية ، كما دلَّ عليه حديث حذيفة بن أسيد ، وقال : إنَّما أخر ذكرها في حديث ابن مسعود إلى ما بعد ذكر المضغة ، وإنْ ذكرت بلفظ ( ثم ) لئلا ينقطع ذكرُ الأطوار الثلاثة التي يتقلب فيها الجنين وهي كونه : نطفة وعلقة ومضغة ، فإنَّ ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجبُ وأحسنُ ، ولذلك أخَّر المعطوف عليها ، وإنْ كان المعطوف(1) متقدماً على بعضها في الترتيب(2) ، واستشهد لذلك بقوله تعالى : { وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ } (3) ، والمراد بالإنسان : آدم - عليه السلام -(4)، ومعلومٌ أنَّ تسويته ، ونفخ الرُّوح فيه، كان قبل(5) جعلِ نسلِهِ من سُلالة من ماء مهين ، لكن لما كان المقصود ذكر قدرة الله - عز وجل - في مبدأ خلق آدم وخلق نسله ، عطف أحدهما على الآخر ، وأخَّر ذكرَ تسوية آدم ونفخ الرُّوح فيه ، وإنْ(6) كان ذلك متوسطاً بين خلق آدم من طين وبين خلق نسله ، والله أعلم .
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) في الترتيب ) سقطت من ( ص ) .
(3) السجدة : 7-9 .
(4) انظر : تفسير الطبري ( 21492 ) و( 21493 ) ، وتفسير البغوي 3/595 .
(5) سقطت من ( ص ) .
(6) من قوله : ( لما كان المقصود ذكر ... ) إلى هنا سقط من ( ص ) .
● [ لشرح هذا الحديث بقية ] ●


جامع العلوم والحكم
لإبن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 17 ديسمبر 2018, 12:05 pm