الحديث السابع

شاطر

بنوتات
Admin

عدد المساهمات : 1896
تاريخ التسجيل : 03/11/2013
الموقع : alktaket2@gmail.com

الحديث السابع

مُساهمة من طرف بنوتات في الجمعة 07 ديسمبر 2018, 7:42 pm


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ الحديث السابع ] ●

عَنْ تَميمٍ الدَّاريِّ - رضي الله عنه - : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الدِّينُ النَّصيحَةُ ثلاثاً ) ، قُلْنا : لِمَنْ يا رَسُولَ اللهِ ؟ قالَ : ( للهِ ولِكتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأئمَّةِ المُسلِمِينَ وعامَّتِهم ).
رَواهُ مُسلمٌ .

الشرح
هذا الحديث خرَّجه مسلم(1) من رواية سُهيل بن أبي صالح ، عن عطاء بنِ يزيد الليثي ، عن تميم(2) الدَّاري ، وقد روي عن سهيل وغيره ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -(3) ، وخرَّجه الترمذي (4) من هذا الوجه ، فمن العلماء مَنْ صححه من الطريقين جميعاً ، ومنهم من قال : إنَّ الصحيح حديثُ تميم ، والإسناد الآخر وهم(5) .
__________
(1) في " صحيحه " 1/53 ( 55 ) ( 95 ) و( 96 ) و1/54 ( 55 ) ( 96 ) .
وأخرجه : الحميدي ( 837 ) ، وأحمد 4/102 ، والبخاري في " التاريخ الكبير " 6/248 ( 2990 ) ، وابن أبي عاصم في " السنة " ( 1089 ) و( 1090 ) و( 1091 ) ، وعبد الله ابن أحمد في " زياداته " 4/102 ، والنسائي 7/156 وفي " الكبرى " ، له ( 7820 ) و( 7821 ) و( 8753 ) ، وابن حبان ( 4574 ) و( 4575 ) ، والبيهقي 8/163 وفي " شعب الإيمان "، له ( 7400 ) و( 7401 ) ، والبغوي ( 3514 ) من حديث تميم الداري، به .
(2) عن تميم ) لم ترد في ( ص ) .
(3) أخرجه : أحمد 2/297 ، وابن أبي عاصم في " السنة " ( 1092 ) و( 1093 ) و( 1094 ) ، والنسائي 7/157 وفي "الكبرى" ، له ( 7822 ) و( 7823 ) و( 8754 ) ، وابن حجر في " تغليق التعليق " 2/58 من حديث أبي هريرة ، به .
(4) في " جامعه " ( 1926 ) .
(5) قال البخاري في " التاريخ الأوسط " 2/35 : ( مدار الحديث كله على تميم ولم يصح عن أحد غير تميم ) . وانظر : فتح الباري 1/182 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد رُوي هذا الحديثُ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابنِ عمر ، وثوبان ، وابنِ عباسٍ ، وغيرهم(1) .
وقد ذكرنا في أوَّل الكتاب عن أبي داود : أنَّ هذا الحديث أحدُ الأحاديث التي يدور عليها الفقه(2) .
وقال الحافظ أبو نُعيم : هذا حديثٌ له شأن ، ذكر محمدُ بنُ أسلم الطوسي أنَّه أحدُ أرباع الدين(3) .
وخرَّج الطبرانيُّ(4) من حديث حُذيفة بن اليمان ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مَنْ لا يَهْتَمُّ بأمرِ المُسلمين فليس منهم ، ومَنْ لَمْ يُمْسِ ويُصْبِحْ ناصِحاً للهِ ولرسوله ولكتابه ولإمامِه ولعامَّة المسلمين فليس منهم ) .
وخرَّج الإمامُ أحمد(5)
__________
(1) أخرجه : الدارمي ( 2757 ) ، والبزار كما في " كشف الأستار " ( 62 ) ، وابن حجر في " تغليق التعليق " 2/60 من حديث ابن عمر ، به .
وأخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " 2/11 ( 1522 ) ، وابن أبي عاصم في " السنة " ( 1095 ) ، والروياني في "مسند الصحابة" ( 657 ) ، والطبراني في " الأوسط " ( 1206 ) من حديث ثوبان ، به .
وأخرجه : أحمد 1/351 ، والبزار كما في " كشف الأستار " ( 61 ) ، والطبراني في " الأوسط " ( 11198 ) ، وابن حجر في "تغليق التعليق" 2/59 من حديث ابن عباس، به .
(2) في ( ص ) : ( الدين ) .
(3) انظر : صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح 1/221 .
(4) في " الأوسط " ( 7473 ) وفي " الصغير " ، له ( 890 ) .
وأخرجه : أبو نعيم في " أخبار أصبهان " 2/252 من حديث حذيفة بن اليمان ، به ، وإسناده ضعيف ، انظر : مجمع الزوائد 1/87 .
(5) في " مسنده " 5/254 .
وأخرجه : عبد الله بن المبارك في " الزهد " ( 204 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 7833 ) و( 7880 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 8/175 ، والبغوي في " شرح السنة " ( 3515 ) من حديث أبي أمامة ، به ، وإسناده ضعيف جداً لضعف عبيد الله بن زَحْر ، ولشدة ضعف علي ابن يزيد الألهاني .
● [ الصفحة التالية ] ●
من حديث أبي أمامة ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( قال الله - عز وجل - : أحبُّ ما تعبَّدَني به عبدي النصحُ لي ) .
وقد ورد في أحاديث كثيرة النصح للمسلمين عموماً ، وفي بعضها : النصح لولاة أمورهم ، وفي بعضها : نصح ولاة الأمور لرعاياهم .
فأما الأوَّل : وهو النصحُ للمسلمين عموماً(1) ، ففي " الصحيحين " (2) عن جرير بن عبد الله قال : بايعتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - على إقامِ الصَّلاةِ ، وإيتاءِ الزكاة ، والنصح لكلِّ مسلم .
وفي " صحيح مسلم " (3) عن أبي هريرة ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( حقُّ المؤمن على المؤمن ستّ ) فذكر منها : ( وإذا استنصحك فانصَحْ له ) . ورُوي هذا الحديث من وجوه أخر عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -(4) .
وفي " المسند " (5)
__________
(1) من قوله : ( وفي بعضها : النصح لولاة ... ) إلى هنا سقط من ( ص ) .
(2) صحيح البخاري 1/22 ( 57 ) و1/139 ( 524 ) و2/131 ( 1401 ) و3/94 ( 2157 ) و3/247 ( 2715 )، وصحيح مسلم1/54 ( 56 ) ( 97 ) و( 98 ) و( 99 ).
وأخرجه : الحميدي ( 795 ) ( 798 ) ، وأحمد 4/360 و361 و364 و365 ، والدارمي ( 2543 ) ، والترمذي ( 1925 ) ، والنسائي 7/152 وفي " الكبرى " ، له ( 321 ) و( 7781 ) ، وابن خزيمة ( 2259 ) من حديث جرير بن عبد الله ، به.
(3) 7/3 ( 2162 ) ( 5 ) .
وأخرجه : أحمد 2/321 و372 و412 ، والبخاري في " الأدب المفرد " ( 925 )
و( 991 ) ، والترمذي ( 2737 ) ، والنسائي 4/53 وفي " الكبرى " ، له ( 2065 ) ، وأبو يعلى ( 6504 ) ، وابن حبان ( 242 ) ، والبيهقي 5/347 و10/108 وفي "شعب الإيمان" ( 9167 ) ، والبغوي ( 1405 ) من حديث أبي هريرة ، به .
(4) أخرجه : أحمد 1/89 ، والدارمي ( 2633 ) ، والبزار ( 850 ) من حديث علي ، به .
وأخرجه : أحمد 2/68 من حديث ابن عمر ، به .
(5) مسند الإمام أحمد 3/418 .
وأخرجه : الطيالسي ( 1312 ) ، وعبد بن حميد ( 438 ) ، والطحاوي في " شرح المعاني " 4/11 ، والطبراني في " الكبير " 22/( 888 ) - ( 892 ) عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه ، به ، وإسناد الحديث فيه اضطراب من قبل عطاء بن السائب ؛ لكن المتن له ما يعضده .
● [ الصفحة التالية ] ●
عن حكيم بن أبي يزيد ، عن أبيه ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ( إذا استَنْصَحَ أحَدُكُم أخاه ، فليَنْصَح له ) .
وأما الثاني : وهو النصحُ لولاة الأمور ، ونصحهم لرعاياهم ، ففي " صحيح
مسلم " عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنَّ الله يرضى لكم ثلاثاً : يَرْضَى لكم (1) أنْ تعبُدُوه ولا تُشْرِكوا به شيئاً ، وأنْ تعتصِمُوا بحبلِ اللهِ جميعاً ولا تفرَّقوا ، وأنْ تُناصِحُوا مَنْ وَلاّه الله أمركم(2) ) .
وفي " المسند " (3) وغيره عن جُبير بنِ مطعم : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته بالخَيْفِ مِنْ مِنى : ( ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ امرئ مسلم : إخلاصُ العمل لله ، ومناصحةُ ولاةِ الأمر ، ولزومُ جماعة المسلمين ) . وقد روى هذه الخطبة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جماعةٌ منهم أبو سعيد الخدري(4) .
وقد رُوي حديثُ أبي سعيد بلفظ آخر خرَّجه الدَّارقطني في " الأفراد "(5) بإسناد جيد ، ولفظه : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهن قلبُ امرئٍ مسلم : النصيحةُ لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين ) .
وفي " الصحيحين " (6)
__________
(1) عبارة : ( يرضى لكم ) سقطت من ( ص ) .
(2) صحيح مسلم 5/130 ( 1715 ) ( 10 ) .
أخرجه : أحمد 2/327 و360 و367 ، والبخاري في " الأدب المفرد " ( 442 ) ، وابن حبان ( 3388 ) من حديث أبي هريرة ، به .
(3) مسند الإمام أحمد 4/80 .
وأخرجه : ابن حبان في " المجروحين " 1/4-5 ، والطبراني في " الكبير " ( 1541 ) ، والحاكم 1/87 من حديث جبير بن مطعم ، به . وهو حديث قويٌّ .
(4) أخرجه البزار كما في " كشف الأستار " ( 141 ) من حديث أبي سعيد الخدري ، به .
(5) لم أجده في أطراف الغرائب والأفراد .
(6) صحيح البخاري 9/80 ( 7150 ) ، وصحيح مسلم 1/87 ( 142 ) ( 229 ) و6/8 ( 142 ) ( 22 ) .
وأخرجه : أحمد 5/27 ، وأبو عوانة 4/386 ، وابن قانع في " معجم الصحابة " 3/79 من حديث معقل بن يسار ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
عن معقل بن يسار ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً ثُمَّ لم يُحِطْها بنصيحةٍ إلا لم يَدْخُلِ الجنة ) .
وقد ذكر الله في كتابه عن الأنبياء عليهم السَّلامُ أنَّهم نصحوا لأممهم كما أخبر بذلك(1) عن نوحٍ ، وعن صالح ، وقال تعالى (2) : { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ } (3) يعني : أنَّ من تخلف عن الجهادِ لعذر ، فلا حرج عليه بشرط أنْ يكونَ ناصحاً لله ورسوله في تخلُّفِهِ ، فإنَّ المنافقين كانوا يُظهرون الأعذارَ كاذبين ، ويتخلَّفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله .
وقد أخبر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الدينَ(4) النصيحةُ ، فهذا يدلُّ على أنَّ النصيحة تَشْمَلُ خصالَ الإسلام والإيمانِ والإحسانِ التي ذكرت في حديث جبريل ، وسمَّى ذلك كُلَّه(5) ديناً ، فإنَّ النُّصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهِها ، وهو مَقام الإحسّان ، فلا يكملُ النُّصحُ لله بدون ذلك ، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة ، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرَّب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرَّمات والمكروهات على هذا الوجه أيضاً .
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) تعالى ) لم ترد في ( ج ) .
(3) التوبة : 91 .
(4) زاد بعدها في ( ص ) : ( عند الله ) .
(5) سقطت من ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي مراسيل الحسن ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أرأيتُم لو كان لأحدكم عبدانِ ، فكان أحدهما يُطِيعُه إذا أمره ، ويُؤدي إليه إذا ائتمنه ، وينصح له إذا غابَ عنه ، وكان الآخر يَعصيه إذا أمره ، ويخونُه إذا ائتمنه ، ويغِشُّه إذا غاب عنه كانا سواء ؟ ) قالوا : لا ، قال : ( فكذاكم أنتم عند الله - عز وجل - )(1) خرَّجه ابنُ أبي الدنيا .
وخرَّج الإمام أحمد(2) معناه من حديث أبي الأحوص ، عن أبيه ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - .
وقال الفضيل بنُ عياض : الحبُّ أفضلُ من الخوف ، ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يُحبك ، والآخر يخافك ، فالذي يُحبّك منهما ينصحُك(3) شاهداً كنت أو غائباً لِحبه إيَّاك ، والذي يخافك عسى أنْ ينصحَك إذا شَهِدْتَ لما يخاف ، ويغشك إذا غبتَ ولا ينصحُك(4) .
قال عبدُ العزيز بن رفيع : قال الحواريون لعيسى - عليه السلام - : ما الخالصُ من
العمل ؟ قال : ما لا تُحِبُّ أنْ يَحْمَدَك الناسُ عليه ، قالوا : فما النصحُ لله ؟ قال : أنْ تبدأ بحق الله تعالى قبل حق الناس ، وإنْ عَرَض لكَ أمران : أحدهما لله ، والآخرُ للدنيا ، بدأت بحقِّ الله تعالى(5) .
قال الخطابيُّ : النصيحةُ كلمةٌ يُعبر بها عن جملة هي إرادةُ الخيرِ للمنصوح له ، قال : وأصلُ النصح في اللغة الخُلوص ، يقال : نصحتُ العسل : إذا خلصتَه من الشمع .
__________
(1) أخرجه : البيهقي في كتاب " الزهد الكبير " 2/285 ، وإسناده ضعيف لإرساله.
(2) في " مسنده " 4/137 .
وأخرجه : الحميدي ( 883 ) ، والطبراني في " الكبير " 19/( 622 ) عن أبي الأحوص ، عن أبيه ، به ، وهو حديث صحيح .
(3) عبارة : ( منهما ينصحك ) سقطت من ( ص ) .
(4) انظر : التخويف من النار للمصنف : 17 .
(5) أخرجه : أحمد في " الزهد " ( 308 ) ، وابن أبي حاتم في " التفسير " ( 10207 ) عن أبي ثمامة الصائدي ، به .
وانظر : نوادر الأصول للحكيم الترمذي 2/27 .
● [ الصفحة التالية ] ●
فمعنى النصيحة لله سبحانه : صحةُ الاعتقادِ في وحدانيته ، وإخلاصُ النية في عبادته ، والنصيحة لكتابه : الإيمانُ به ، والعمل بما فيه ، والنصيحة لرسوله : التصديق بنبوّته ، وبذل الطاعة له فيما أمَرَ به ، ونهى عنه ، والنصيحةُ لعامة المسلمين : إرشادُهم إلى مصالحهم . انتهى(1) .
وقد حكى الإمامُ أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتاب " تعظيم قدر الصَّلاة " (2) عن بعض أهلِ العلم أنَّه فسَّر هذا الحديث بما لا مزيدَ على حسنه ، ونحن نحكيه هاهنا بلفظه . قال محمد بن نصر : قال بعض أهل العلم : جماعُ تفسير النصيحة هو عنايةُ القلب للمنصوح له مَنْ كان ، وهي على وجهين : أحدهما فرض ، والآخر نافلة ، فالنصيحةُ المفترضة لله : هي شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما افترض ، ومجانبة ما حرَّم .
وأما النصيحة التي هي نافلة ، فهي إيثار مَحبته على محبة نفسه ، وذلك أنْ يَعْرِض أمران ، أحدهما لنفسه ، والآخرُ لربه ، فيبدأ بما كان لربه ، ويؤخر ما كان لنفسه ، فهذه جملة تفسير النصيحة لله ، الفرض منه والنافلة ، ولذلك تفسير ، وسنذكر بعضَه لِيفهم (3) بالتفسير من لا يفهم الجملة .
__________
(1) انظر : حاشية السندي 1/158 .
(2) " تعظيم قدر الصلاة " 2/691-694 .
(3) في ( ص ) : ( وكذلك فصل تفسيره بعضهم ليفهم ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
فالفرضُ منها مجانبةُ نهيه ، وإقامةُ فرضه بجميع جوارحه ما كان مطيقاً له ،
فإنْ عَجَزَ عن الإقامة بفرضه لآفة حَلَّتْ به من مرض ، أو حبس ، أو غير ذلك ،
عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت عنه العلةُ المانعةُ له ، قال الله - عز وجل - : { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } (1) ، فسماهم محسنين لِنصيحتهم لله بقلوبهم لمَّا مُنِعُوا من الجهاد بأنفسهم .
وقد ترفع الأعمالُ كُلُّها عن العبد في بعض الحالات ، ولا يُرفع عنه النصحُ لله ، فلو كان من المرض بحالٍ لا يُمكنه عملٌ بشيء من جوارحه بلسانٍ ولا غيره ، غير أنَّ عقلَه ثابتٌ ، لم يسقط عنه النصحُ لله بقلبه(2) وهو أنْ يندمَ على ذنوبه ، وينويَ إنْ صحَّ أنْ يقومَ بما افترض الله عليه ، ويجتنبَ ما نهاه عنه ، وإلا كان غير ناصح لله بقلبه .
وكذلك النصحُ لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما أوجبه على الناس عن أمرِ ربه ، ومن النصح الواجب لله أنْ لا يرضى بمعصية العاصي ، ويُحِبَّ طاعةَ من أطاعَ الله ورسولَه .
وأما النصيحةُ التي هي نافلةٌ لا فرض (3) : فبذل المجهود بإيثار الله تعالى على كُلِّ محبوب بالقلب وسائرِ الجوارح حتى لا يكونَ في الناصح فضل عن غيره ، لأنَّ الناصحَ إذا اجتهد لم يؤثر نفسه عليه، وقام بكُلِّ ما كان في القيام به سرورُه ومحبتُه ، فكذلك الناصحُ لربه ، ومن تنفَّل لله بدون الاجتهاد ، فهو ناصح على قدر عمله ، غير مستحق للنصح بكماله .
__________
(1) التوبة : 91 .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : ( وكذا النصح لرسوله فيما أوجبه على الناس ) .
(3) عبارة : ( لا فرض ) سقطت من ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وأما النصيحة لكتاب الله ، فشدةُ حبه وتعظيمُ قدره ، إذ هو كلامُ الخالق ، وشدةُ الرغبة في فهمه ، وشدةُ العناية(1) لتدبره والوقوف عند تلاوتهِ ؛ لِطلب معاني ما أحبَّ مولاه أنْ يفهمه عنه ، ويقوم به له بعدَ ما يفهمه ، وكذلك الناصحُ من العباد يفهم وَصِيَّةَ من ينصحه ، وإنْ ورد عليه كتابٌ منه ، عُني بفهمه ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه ، فكذلك الناصحُ لِكتاب ربه ، يعنى بفهمه ؛ ليقوم لله بما أمر به كما يحب ويرضى ، ثم يَنْشُرُ ما فهم في العباد ويُديم دراسته بالمحبة له ، والتخلق بأخلاقه ، والتأدُّب بآدابه .
وأما النصيحة للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - في حياته: فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته، وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته . وأما بعد وفاته : فالعناية بطلب سنته ، والبحث عن أخلاقه وآدابه ، وتعظيم أمره ، ولزوم القيام به ، وشدَّة الغضب ، والإعراض عمَّن تديَّن بخلاف سنته ، والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا ، وإنْ كان متديناً بها ، وحبّ مَنْ كان منه بسبيلٍ من قرابة ، أو صِهرٍ ، أو هِجرةٍ أو نُصرةٍ ، أو صحبة ساعة من ليلٍ أو نهارٍ على الإسلام والتشبه به في زيِّه ولباسه.
وأما النصيحةُ (2) لأئمة المسلمين : فحبُّ صلاحِهم ورشدهِم وعدلهم ، وحبُّ اجتماع الأمة عليهم ، وكراهةُ افتراقِ الأمة عليهم ، والتدينُ بطاعتهم في طاعة الله - عز وجل - ، والبغضُ لمن رأى الخروجَ عليهم ، وحبُّ(3) إعزازهم في طاعة الله - عز وجل - .
__________
(1) عبارة : ( فهمه وشدة العناية ) سقطت من ( ص ) .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : ( لكتابه ) .
(3) سقطت من ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وأما النصيحةُ للمسلمين : فأنْ يُحِبَّ لهم ما يُحِبُّ لنفسه ، ويكره لهم ما يكره لنفسه ، ويُشْفِقَ عليهم ، ويرحمَ صغيرهم ، ويُوَقِّرَ كبيرَهم ، ويَحْزَنَ لحزنهم ، ويفرحَ لفرحهم ، وإنْ ضرَّه ذلك في دنياه كرخص أسعارهم ، وإنْ كان في ذلك فواتُ ربح ما يبيعُ من تجارته ، وكذلك جميعُ ما يضرُّهم عامة ، ويحب صلاحَهم وألفتَهم ودوامَ النعم عليهم ، ونصرَهم على عدوهم ، ودفعَ كل أذى ومكروه عنهم .
وقال أبو عمرو بن الصلاح (1) : النصيحة كلمةٌ جامعة تتضمَّنُ قيامَ الناصح للمنصوح له بوجوهِ الخير إرادةً وفعلاً.
فالنصيحةُ لله تعالى : توحيدُه ووصفُه بصفاتِ الكمال والجلال ، وتنزيهُه عما يُضادُّها ويخالِفُها ، وتجنبُ معاصيه ، والقيامُ بطاعته ومحابه بوصفِ الإخلاصِ ، والحبُّ فيه والبغض فيه ، وجهادُ مَنْ كفر به تعالى وما ضاهى ذلك ، والدعاءُ إلى ذلك ، والحثُّ عليه .
والنصيحةُ لكتابه : الإيمانُ به وتعظيمُه وتنزيهُه ، وتلاوتُه (2) حَقَّ تلاوته ، والوقوفُ مع أوامره ونواهيه ، وتفهُّم علومه وأمثاله ، وتدبرُ آياته ، والدعاءُ إليه ،
وذبُّ تحريف الغالين(3) وطعنِ الملحدين عنه .
__________
(1) " صيانة صحيح مسلم " : 223-224 .
(2) عبارة : ( حق تلاوته ) سقطت من ( ص ) .
(3) الذب : يذب ذباً : دفع ومنع . تاج العروس 2/419 ( ذيب ) .
والتحريف : هو تغيير الكلمة عن معناها . العين : 183 ( حرف ) .
والغالين : من غلا : غلا الرجل في الأمر غُلواً : جاوز الحد . مجمل اللغة 3/683 ( غلو ) .
ومراد المصنف راجعه في كتاب " شرح التبصرة والتذكرة " 1/332-334 مع تعليقي عليه .
● [ الصفحة التالية ] ●
والنصيحةُ لِرسوله قريب من ذلك(1) : الإيمان به وبما جاء به وتوقيرُه وتبجيلهُ ، والتمسك بطاعته، وإحياءُ سنته واستنشارة علومه ونشرُها ومعاداةُ من عاداه وعاداها، وموالاةُ من والاه ووالاها ، والتخلقُ بأخلاقه ، والتأدبُ بآدابه ومحبة آله وصحابته ونحو ذلك .
والنصيحة لأئمة المسلمين : معاونتُهم على الحق ، وطاعتُهم فيه ، وتذكيرهم به ، وتنبيههم في رفق ولطف ، ومجانبة الوثوب عليهم ، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك .
والنصيحةُ لعامة المسلمين : إرشادُهم إلى مصالحهم ، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم ، وستر عوراتهم ، وسدِّ خلاتهم ، ونصرتهم على أعدائهم ، والذبّ عنهم ، ومجانبة الغش والحسد لهم ، وأنْ يحبَّ لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه ، وما شابه ذلك ، انتهى ما ذكره (2).
ومن أنواع نصحهم بدفع الأذى والمكروه عنهم : إيثارُ فقيرِهم وتعليمُ جاهلهم، وردُّ من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل بالتلطف في ردِّهم إلى الحق ، والرفقُ بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محبة لإزالة فسادهم ولو بحصول ضررٍ له في دنياه ، كما قال بعضُ السَّلف : وددتُ أنَّ هذا الخلق أطاعوا الله وأنَّ لحمي قُرِضَ بالمقاريضِ(3) ، وكان عمرُ بن عبد العزيز يقول : يا ليتنِي عملتُ فيكم بكتابِ الله وعملتُم به ، فكلما عملتُ فيكم بسنة ، وقع منى عضوٌ حتى يكونَ آخر شيءٍ منها خروج نفسي .
__________
(1) عبارة : ( قريب من ذلك ) سقطت من ( ص ) .
(2) أي : ابن الصلاح .
(3) هذا قول زهير بن نعيم البابي . انظر : صفوة الصفوة لابن الجوزي 4/7 ، وتهذيب الكمال للمزي 3/40 ، وتهذيب التهذيب لابن حجر 3/312 .
● [ الصفحة التالية ] ●
ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله - وهو مما يختص به العلماء - ردُّ الأهواء المضلة بالكتاب والسنة ، وبيانُ دلالتهما على ما يُخالف الأهواء كلها ، وكذلك ردُّ الأقوال الضعيفة من زلات العلماء ، وبيانُ دلالة الكتاب والسنة على ردِّها ، ومن ذلك بيان ما صحَّ من حديث النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ومالم يصح منه بتبين حالِ رواته ومَنْ تُقْبَلُ رواياته منهم ومن لا تُقبل ، وبيان غلط مَنْ غلط من ثقاتهم الذين تقبل روايتهم .
ومن أعظمِ أنواع النصح أنْ يَنْصَحَ لمن استشاره في أمره ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - إذا استَنْصَحَ أحدُكُم أخاه ، فليَنْصَحْ له ) (1) ، وفي بعض الأحاديث : ( إنَّ من حقِّ المسلم على المسلم أنْ ينصحَ له إذا غابَ ) (2) ومعنى ذلك : أنَّه إذا ذكر في غيبه بالسوء أنْ ينصره ، ويرد عنه ، وإذا رأى من يريد أذاه في غيبه ، كفه عن ذلك ، فإنَّ النصح في الغيب يدلُّ على صدق النصح، فإنَّه قد يظهر النصحَ في حضوره تملقاً، ويغشه في غيبه .
وقال الحسن : إنَّك لن تَبْلُغ حقَّ نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما تَعْجَزُ عنه .
قال الحسن : وقال بعضُ أصحاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده إنْ شئتم لأقسمنَّ لكم بالله إنَّ أحبَّ عبادِ الله إلى الله الذين يُحببون الله إلى عباده ويُحببون عباد الله إلى الله ، ويسعون في الأرض بالنصيحة(3) .
__________
(1) سبق تخريجه وهو في " مسند الإمام أحمد " 3/418 .
(2) أخرجه : أحمد 2/321 ، والترمذي ( 2737 ) ، والنسائي 4/53 وفي " الكبرى " ، له
( 2065 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 8753 ) من حديث أبي هريرة ، به ، وقال الترمذي : ( حديث صحيح ) .
(3) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الأولياء " 1/20 عن رجل من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقال فرقد السَّبَخِيُّ : قرأتُ في بعض الكتب : المحبُّ لله - عز وجل - أميرٌ مُؤَمَّرٌ على الأمراء ، زمرتُه أوَّلُ الزمر يومَ القيامة ، ومجلسُه أقربُ المجالس فيما هناك والمحبةُ
منتهى القربة والاجتهاد ، ولن يسأَمَ المحبون من طول اجتهادهم لله - عز وجل - ، يحبُّونه ويُحِبُّونَ ذكره ، ويُحبِّبونه إلى خلقه ، يمشون بَيْنَ عباده بالنصائح ، ويخافون عليهم من أعمالهم يومَ تبدو الفضائح ، أولئك أولياءُ الله وأحبَّاؤه وأهلُ(1) صفوته ، أولئك الذين لا راحةَ لهم دونَ لقائه .
وقال ابنُ عُلَيَّةَ في قول أبي بكر المزني : ما فاق أبو بكر - رضي الله عنه - أصحاب
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصومٍ ولا صلاةٍ ، ولكن بشيء كان في قلبه ، قال : الذي كان في قلبه الحبُّ لله - عز وجل - ، والنصيحة في خلقه .
وقال الفضيلُ بن عياض : ما أدركَ عندنا مَنْ أدرك بكثرة الصلاة والصيام ، وإنما أدرك عندنا بسخاءِ الأنفس ، وسلامةِ الصدور ، والنصح للأمة(2) .
وسئل ابنُ المباركَ : أيُّ الأعمال أفضلُ ؟ قال : النصحُ لله .
وقال معمر : كان يقال : أنصحُ الناسِ لك مَنْ خاف الله فيك .
وكان السَّلفُ إذا أرادوا نصيحةَ أحدٍ ، وعظوه سراً حتّى قال بعضهم : مَنْ وعظ أخاه فيما بينه وبينَه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنَّما وبخه(3).
وقال الفضيل : المؤمن يَسْتُرُ ويَنْصَحُ ، والفاجرُ يهتك ويُعيِّرُ .
وقال عبد العزيز بن أبي رواد : كان مَنْ كان قبلكم إذا رأى الرجلُ من أخيه شيئاً يأمره في رفق ، فيؤجر في أمره ونهيه ، وإنَّ أحد هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره .
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/103 ، والبيهقي في " شعب الإيمان "
( 10891 ) .
(3) قال الشافعي : من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه ، ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه .
أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 9/140 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وسئل ابنُ عباس - رضي الله عنهما - عن أمر السلطان بالمعروف ، ونهيه عن المنكر ، فقال : إنْ كنت فاعلاً ولابدَّ ، ففيما بينك وبينه(1) .
وقال الإمام أحمد رحمه الله : ليس على المسلم نصحُ الذمي ، وعليه نصحُ المسلم . وقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( والنصح لكل مسلم ، وأنْ ينصح لجماعةِ المسلمين وعامتهم )(2) .
__________
(1) أخرجه: سعيد بن منصور في " سننه " ( 846 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 7592 ).
(2) سبق تخريجه .


جامع العلوم والحكم
لإبن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 17 ديسمبر 2018, 10:35 am