الحديث التاسع والأربعون

avatar
بنوتات
Admin

عدد المساهمات : 2124
تاريخ التسجيل : 03/11/2013
الموقع : alktaket2@gmail.com

الحديث التاسع والأربعون Empty الحديث التاسع والأربعون

مُساهمة من طرف بنوتات في الخميس 17 يناير 2019, 9:28 am

الحديث التاسع والأربعون Game10

بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم
الحديث التاسع والأربعون 1410
● [ الحديث التاسع والأربعون ] ●

عَنْ عُمرَ بن الخطَّابِ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : ( لَو أَنَّكُم تَوكَّلُون على اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَما يَرزُقُ الطَّيرَ ، تَغدُو خِماصاً ، وتَروحُ بِطاناً ).
رواهُ الإمام أحمدُ (1) والتِّرمذيُّ (2) والنَّسائيُّ (3) وابنُ ماجه (4) وابنُ حبَّان في " صحيحه " (5) والحاكِمُ (6) ، وقال التِّرمذيُّ : حَسَنٌ صَحيحٌ.

الشرح
هذا الحديث خرَّجه هؤلاء كلهم من رواية عبد الله بن هُبيرة ، سمع أبا تميم الجيشاني ، سمع عمر بن الخطاب يُحدثه عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وأبو تميم وعبد الله بن هبيرة خرَّج لهما مسلم ، ووثقهما غيرُ واحد (7) ، وأبو تميم ولد في حياة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهاجر إلى المدينة في زمن عمر - رضي الله عنه - (8) .
وقد رُوي هذا الحديثُ من حديث ابنِ عمر عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (9) ، ولكن في إسناده من لا يُعرف حاله . قاله أبو حاتم الرازي (10) .
__________
(1) في " مسنده " 1/30 و52 .
(2) في " جامعه " ( 2344 ) .
(3) كما في " تحفة الأشراف " 7/263 ( 10586 ) .
(4) في " سننه " ( 4164 ) .
(5) برقم ( 730 ) .
(6) في " المستدرك " 4/318 .
(7) أبو تميم ذكره ابن حبان في " الثقات " 5/49 وقال عنه يحيى بن معين : ( ثقة ) . انظر : تهذيب الكمال 4/256 ( 3502 ) .
وأبو هبيرة ذكره ابن حبان في " الثقات " 5/54 ووثقه أحمد بن حنبل ، انظر : تهذيب الكمال 4/310 ( 3616 ) .
(8) انظر : سير أعلام النبلاء 4/73 .
(9) أخرجه : أبو نعيم في " تأريخ أصبهان " 2/297 .
(10) قال عقب تخريج هذا الحديث : ( فيه سعيد بن إسحاق بن الحمار مجهول لا أعرفه ) . انظر : العلل 2/380 ( 1832 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وهذا الحديثُ أصل(1) في التوكُّل ، وأنَّه من أعظم الأسباب التي يُستجلب بها الرزقُ ، قال الله - عز وجل - : { وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } (2) ، وقد قرأ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية على أبي ذرٍّ ، وقال له : ( لو أنَّ الناسَ كُلَّهم أخَذوا بها لَكَفتهم ) (3) يعني : لو أنهم حقَّقوا التَّقوى والتوكل ؛ لاكتَفَوا بذلك في مصالح دينهم ودنياهم . وقد سبق الكلامُ على هذا المعنى في شرح حديثِ ابن عباس : ( احفَظِ اللهَ يَحفَظْكَ ) (4) .
قال بعضُ السلف : بِحَسبِكَ من التوسل إليه أن يَعلَمَ من قلبك حُسنَ توكُّلك عليه ، فكم من عبدٍ من عباده قد فوَّضَ إليه أمره ، فكفاه منه ما أهمّه (5) ، ثم قرأ : { وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ } ، وحقيقة التوكّل : هو صدقُ اعتماد القلب على الله - عز وجل - في استجلاب المصالح ، ودفعِ المضارِّ من أمور الدنيا والآخرة كُلِّها ، وكِلَةُ الأمور كلّها إليه ، وتحقيق الإيمان بأنه لا يُعطي ولا يمنعُ ولا يَضرُّ ولا ينفع سواه .
قال سعيدُ بنُ جبير : التوكل جِماع الإيمان (6) .
وقال وهب بن مُنبِّه : الغاية القصوى التوكل (7) .
قال الحسن : إنَّ توكلَ العبد على ربِّه أنْ يعلمَ أن الله هو ثقته (8) .
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) الطلاق : 2 – 3 .
(3) أخرجه : أحمد 5/178 ، وابن ماجه ( 4220 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 11603 ) ، وفي إسناده انقطاع .
(4) سبق عند الحديث ( 19 ) .
(5) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " التوكل " ( 5 ) .
(6) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 29589 ) و( 35342 ) ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 4/274 .
(7) أخرجه : ابن عساكر في " تاريخ دمشق " 66/288 .
(8) أخرجه : ابن أبي الدنيا ( 18 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي حديث ابنِ عباس عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( مَنْ سرَّه أنْ يكونَ أقوى الناس ، فليتوكل على الله ) (1) .
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يقول في دعائه : ( اللهم إنِّي أسألُك صدقَ التوكُّل عليك ) (2) ، وأنَّه كان يقول : ( اللهمَّ اجعلني ممن توكَّل عليك فكَفَيتَه ) (3) .
واعلم أنَّ تحقيق التوكل لا يُنافي السَّعي في الأسباب التي قدَّر الله سبحانه المقدورات بها ، وجرت سُنَّته في خلقه بذلك ، فإنَّ الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكُّل ، فالسَّعيُ في الأسباب بالجوارح طاعةٌ له ، والتوكُّلُ بالقلب عليه إيمانٌ به ، كما قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ } (4) ، وقال : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ } (5) ، وقال : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ } (6) .
وقال سهل التُّستَرِي : من طعن في الحركة - يعني : في السعي والكسب - فقد طعن في السُّنة ، ومن طعن في التوكل ، فقد طعن في الإيمان (7) ، فالتوكل حالُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، والكسب سنَّتُه ، فمن عمل على حاله ، فلا يتركنّ سنته .
ثم إنَّ الأعمال التي يعملها العبدُ ثلاثةُ أقسام :
__________
(1) أخرجه : عبد بن حميد ( 675 ) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 367 ) ، وسنده ضعيف .
(2) أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 8/224 ، عن الأوزاعي يرفعه ، ، وهو ضعيف لاعضاله .
(3) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " التوكل " ( 4 ) ، وذكره الديلمي في " مسند الفردوس " 1/472 ( 1924 ) من حديث أنس ، وسنده ضعيف جداً .
(4) النساء : 71 .
(5) الأنفال : 60 .
(6) الجمعة : 10 .
(7) أخرجه : أبو نعيم " حلية الأولياء " 10/195 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 1289 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
أحدُها : الطاعات التي أمر الله عباده بها ، وجعلها سبباً للنَّجاة مِنَ النَّار ودخولِ الجنَّة ، فهذا لابُدَّ من فعله مع التوكُّل على الله فيه ، والاستعانة به عليه ، فإنَّه لا حولَ ولا قُوَّة إلا به ، وما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فمن قصَّرَ في شيءٍ ممَّا وجب عليه من ذلك ، استحقَّ العقوبة في الدنيا والآخرة شرعاً وقدراً . قال يوسف بنُ أسباط : كان يُقال : اعمل عمل رجل لا يُنجيه إلا عملُه ، وتوكَّلْ توكُّلَ رجلٍ لا يُصيبه إلا ما كُتِبَ له (1) .
والثاني : ما أجرى الله العادة به في الدُّنيا ، وأمر عباده بتعاطيه ، كالأكلِ عندَ الجوعِ ، والشُّرب عندَ العطشِ ، والاستظلال من الحرِّ ، والتدفؤ من البرد ونحو ذلك ، فهذا أيضاً واجب على المرء تعاطي أسبابه ، ومن قَصَّر فيه حتى تضرَّر بتركه مع القُدرة على استعماله ، فهو مُفرِّطٌ يستحقُّ العقوبة ، لكن الله سبحانه قد يقوِّي بعضَ عباده من ذلك على مالا يَقوى عليه غيرُه ، فإذا عَمِلَ بمقتضى قوَّته التي اختص بها عن غيره ، فلا حرجَ عليه ، ولهذا كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُواصلُ في صيامه ، وينهى عَنْ ذلك أصحابه ، ويقول لهم : ( إنِّي لستُ كهيئتكم ، إني أُطْعَمُ وأُسقى ) (2) ، وفي رواية : ( إنِّي أظلُّ عند ربي يُطعمني ويسقيني ) (3) ، وفي رواية : ( إنَّ لي مُطْعِماً يُطعمني ، وساقياً يسقيني ) (4) .
__________
(1) أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 8/239 - 240 .
(2) أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 827 ) برواية الليثي ، والبخاري 2/37 ( 1922 ) ، ومسلم 3/133 ( 1102 ) ( 55 ) و( 56 ) ، وأبو داود ( 2360 ) من حديث ابن عمر .
(3) أخرجه : البخاري 3/48 ( 1961 ) و3/134 ( 1104 ) ( 60 ) ، والترمذي ( 778 ) من حديث أنس .
(4) أخرجه : البخاري 3/48 ( 1963 )، وأبو داود ( 2361 ) من حديث أبي سعيد الخدري .
● [ الصفحة التالية ] ●
والأظهر أنَّه أراد بذلك أنَّ الله يُقوِّيه ويُغذيه بما يُورده على قلبه من الفتوح القدسية ، والمنحِ الإلهية ، والمعارف الربانية التي تُغنيه عن الطعام والشراب بُرهةً مِنَ الدَّهر ، كما قال القائل (1) :
لها أَحاديثُ مِنْ ذِكراكَ تَشغَلُها . عَنِ الشَّرابِ وتُلهيهَا عَنِ الزَّادِ
لها بِوجْهِكَ نُورٌ تَستَضِيءُ به . وقْتَ المَسيرِ وفي أَعقابها حَادي
إذا اشتَكَتْ من كلالِ السَّيرِ أوْعَدها . رَوْحُ القدوم فتحيى عندَ مِيعادِ
فلا تجوع ولا تظمأ وما ضعفت . ولا تظل إذا كانت لها هادِ(2)
وقد كان كثيرٌ من السَّلف لهم مِن القُوَّة على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم ، ولا يتضرَّرونَ بذلك . وكان ابنُ الزبير يُواصل ثمانية أيام (3) . وكان أبو الجوزاء يُواصل في صومه بين سبعة أيام ، ثم يَقبِضُ على ذراع الشاب فيكَادُ يَحطِمُها (4) . وكان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يأكلُ شيئاً غير أنَّه يشرب شربة حلوى (5) . وكان حجاج ابنُ فرافصة يبقي أكثر من عشرة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا ينام (6) ، وكان بعضهم لا يُبالي بالحرِّ ولا بالبرد كما كان عليٌّ - رضي الله عنه - يلبس لباس الصَّيف في الشتاء ولباس الشتاء في الصيف ، وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - دعا له أنْ يُذهب الله عنه الحرَّ والبرد (7) .
__________
(1) انظر : تفسير ابن كثير 1/224 ، وسبل السلام 2/156 .
(2) هذا البيت سقط من النسخ المطبوعة .
(3) أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 1/325 بلفظ : كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام .
(4) أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 3/79 - 80 .
(5) أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 4/214 .
(6) أخرجه : أبو نعيم 3/108 عن سفيان الثوري قال : بت عند الحجاج بن فرافصة إحدى وعشرين يوماً فما أكل ولا شرب ولا نام .
(7) أخرجه : أحمد 1/99 و133 ، وابن ماجه ( 117 ) ، وهو ضعيف .
● [ الصفحة التالية ] ●
فمن كان له قوَّةٌ على مثل هذه الأمور ، فعمل بمقتضى قوَّته ولم يُضعفه عن طاعة الله ، فلا حرج عليه ، ومن كلَّفَ نفسه ذلك حتى أضعفها عن بعض الواجبات ، فإنَّه يُنكر عليه ذلك ، وكان السَّلف يُنكرون على عبد الرحمان بن أبي نُعم ، حيث كان يترك الأكل مدة حتى يُعاد من ضعفه (1) .
القسم الثالث : ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعمِّ الأغلب ، وقد يخرِقُ العادة في ذلك لمن يشاء من عباده ، وهو أنواع :
منها ما يخرقه كثيراً ، ويغني عنه كثيراً من خلقه كالأدوية بالنسبة إلى كثيرٍ من البلدان وسكان البوادي ونحوها . وقد اختلف العلماءُ : هل الأفضل لمن أصابه المرض التداوي أم تركه لمن حقَّق التوكل على الله ؟ وفيه قولان مشهوران ، وظاهر كلام أحمد أنَّ التوكلَ لمن قوي عليه أفضلُ ، لِمَا صحَّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : ( يَدخُلُ مِنْ أُمَّتي الجنَّة سبعون ألفاً بغير حساب ) ثم قال : ( هم الذين لا يتطيَّرون ولا يَسترقون ولا يَكتوون وعلى ربِّهم يتوكَّلون ) (2) .
ومن رجح التداوي قال : إنَّهُ حال النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يُداوم عليه ، وهو لا يفعلُ إلاّ الأفضلَ ، وحمل الحديثَ على الرُّقى المكروهة التي يُخشى منها الشركُ بدليل أنَّه قرنها بالكي والطِّيرة وكلاهما مكروه .
__________
(1) انظر : حلية الأولياء 4/69 .
(2) أخرجه : مسلم 1/137 ( 218 ) ( 371 ) و( 372 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
ومنها ما يَخرِقُهُ لِقليلٍ من العامة ، كحصول الرِّزق لمن ترك السعي في طلبه ، فمن رزقه الله صدق يقين وتوكل ، وعَلِمَ من الله أنَّه يَخرِقُ له العوائد ، ولا يُحوجه إلى الأسباب المعتادة في طلب الرزق ونحوه ، جاز له تَركُ الأسباب ، ولم يُنكر عليه ذلك ، وحديث عمر هذا الذي نتكلم عليه يدلُّ على ذلك ، ويدلُّ على أنَّ النَّاس إنَّما يُؤتون مِنْ قلَّة تحقيق التوكُّل ، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم ومساكنتهم لها ، فلذلك يُتعبون أنفسَهم في الأسباب ، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد ، ولا يأتيهم إلاّ ما قُدِّر لهم ، فلو حَقَّقوا التوكُّلَ على الله بقلوبهم ، لساقَ الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سببٍ ، كما يسوقُ إلى الطَّير أرزاقها بمجرَّدِ الغدوِّ والرواح ، وهو نوعٌ من الطَّلب والسَّعي ، لكنه سعيٌ يسيرٌ .
وربما حُرِمَ الإنسانُ رزقَهُ أو بعضَه بذنب يُصيبه ، كما في حديث ثوبان ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ العبدَ ليُحرَمُ الرِّزق بالذَّنب يُصيبه ) (1) .
وفي حديث جابر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ نفساً لن تموتَ حتى تستكمل رزقها ، فاتَّقوا الله وأجملوا في الطَّلب ، خُذوا ما حلَّ ودعوا ما حَرُم ) (2) .
وقال عمر : بين العبد وبين رِزقه حِجاب ، فإن قنع ورضيت نفسه ، آتاه رزقُه ، وإنِ اقتحم وهتك الحجاب ، لم يزد فوقَ رزقه (3) .
__________
(1) أخرجه : أحمد 5/277 و282 ، وابن ماجه ( 4022 ) ، وفي إسناده مقال ، وقد حسن بعضهم هذا الحديث بطرقه منهم: الحافظ العراقي كما نقله البوصيري في " مصباح الزجاجة ".
(2) أخرجه : ابن ماجه ( 2144 ) ، وابن حبان ( 3239 ) ، والحاكم 2/4 ، وهو حديث صحيح .
(3) ذكره الديلمي في " مسند الفردوس " 2/26 ( 2162 ) عن جابر بلفظ : ( بين العبد وبين رزقه حجاب فإن صبر خرج إليه رزقه وإن عجل مزق عنه جلد ولا يأخذ إلا ما قدر له جلده ودينه ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقال بعض السَّلف : توكل تُسَقْ إليك الأرزاق بلا تعب ، ولا تَكَلُّف .
قال سالم بن أبي الجعد : حُدِّثْتُ أنَّ عيسى - عليه السلام - كان يقول : اعملوا للهِ ولا تعملوا لبطونكم ، وإيَّاكم وفضولَ الدُّنيا ، فإنَّ فضولَ الدُّنيا عند الله رجز ، هذه طَيرُ السماء تغدو وتروح ليس معها من أرزاقها شيء ، لا تحرث ولا تحصد الله يرزقها ، فإنْ قلتُم : إنَّ بطوننا أعظم من بطون الطير ، فهذه الوحوش من البقر والحمير وغيرها تغدو وتروح ليس معها من أرزاقها شيءٌ لا تحرث ولا تحصد ، الله يرزقها (1) . خرَّجه ابن أبي الدُّنيا .
وخرّج بإسناده عن ابن عباس قال : كان عابدٌ يتعبد في غارٍ ، فكان غرابٌ يأتيه كلَّ يوم برغيف يجد فيه طَعْمَ كلِّ شيءٍ حتى مات ذلك العابد (2) .
وعن سعيد بن عبد العزيز ، عن بعض مشيخة دمشق ، قال : أقامَ إلياسُ هارباً من قومه في جبل عشرين ليلة ، - أو قال : أربعين - تأتيه الغربان برزقه .
وقال سفيان الثوري : قرأ واصلٌ الأحدب هذه الآية : { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } (3) ، فقال : ألا إنَّ رزقي في السماء وأنا أطلبُه في الأرض ؟ فدخل خَرِبَةً ، فمكث ثلاثاً لا يُصيب شيئاً ، فلمَّا كان اليومُ الرابع ، إذ هو بدَوخَلةٍ من رُطَبٍ ، وكان له أخٌ أحسن نيةً منه ، فدخل معه ، فصارتا دوخلتين ، فلم يزل ذلك دأبهما (4) حتى فرق الموتُ بينهما (5) .
__________
(1) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 34232 ) ، والحسين المروزي كما في زوائده على " الزهد " لعبد الله بن المبارك ( 848 ) .
(2) أخرجه : أبو الشيخ في " العظمة " ( 1292 ) .
(3) الذاريات : 22 .
(4) سقطت من ( ص ) .
(5) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 24915 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 1336 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
ومن هذا الباب من قَوِي توكُّله على الله ووثوقه به ، فدخل المفاوزَ بغير زاد ، فإنَّه يجوزُ لمن هذه صفته دونَ من لم يبلغ هذه المنْزلة ، وله في ذلك أسوة بإبراهيم الخليل - عليه السلام - ، حيث ترك هاجرَ وابنها إسماعيل بوادٍ غير ذي زرعٍ ، وترك عندهما جراباً فيه تمرٌ وسِقاءً فيه ماء ، فلمَّا تبعته هاجر ، وقالت له : إلى من تَدعنا ؟ قال لها : إلى الله ، قالت : رضيتُ بالله ، وهذا كان يفعله بأمر الله ووحيه ، فقد يَقذِفُ الله في قلوب بعض أوليائه من الإلهام الحقِّ ما يعلمون أنَّه حقٌّ ، ويثقون به . قال المروذي : قيل لأبي عبد الله : أيّ شيءٍ صِدقُ التوكل على الله ؟ قال : أنْ يتوكَّل على الله ، ولا يكون في قلبه أحدٌ من الآدميين يطمع أنْ يجيئه بشيءٍ ، فإذا كان كذا ، كان الله يرزقه ، وكان متوكِّلاً (1) .
قال : وذكرتُ لأبي عبد الله التوكُّل ، فأجازه لمن استعملَ فيه الصِّدق (2) .
قال : وسألت أبا عبد الله عن رجلٍ جلس في بيته ، ويقول : أجلِسُ وأصبر ولا أُطلع على ذلك أحداً ، وهو يقدِرُ أنْ يحترف ، قال : لو خرَجَ فاحترفَ كان أحبَّ إليَّ ، وإذا جلس خفت أنْ يُخرجه إلى أنْ يكون يتوقع أنْ يرسل إليه بشيء . قلت : فإذا كان يبعث إليه بشيءٍ ، فلا يأخذ ؟ قالَ : هذا جيد (3) .
وقلت لأبي عبد الله : إنَّ رجلاً بمكة قالَ : لا آكلُ شيئاً حتَّى يطعموني ، ودخل في جبل أبي قبيس ، فجاء إليه رجلان وهو متَّزِرٌ بخرقةٍ ، فألقيا إليه قميصاً ، وأخذا بيديه ، فألبساه القميص ، ووضعا بين يديه شيئاً ، فلم يأكل حتَّى وضعا مفتاحاً من حديد في فيه ، وجعلا يدُسَّان في فمه ، فضحك أبو عبد الله ، وجعل يعجب .
__________
(1) انظر : الفروع 4/41 .
(2) انظر : الفروع 4/41 .
(3) انظر : الورع لأحمد بن حنبل : 48 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقلت لأبي عبد الله : إنَّ رجلاً ترك البيع والشراء ، وجعل على نفسه أنْ لا يقع في يده ذهبٌ ولا فضَّةٌ ، وترك دُورَه لم يأمر فيها بشيءٍ وكان يمرُّ في الطريق ، فإذا رأى شيئاً مطروحاً ، أخذه ممّا قد أُلقي . قال المروذي : فقلت للرجل : مالك حجة على هذا غير أبي معاوية الأسود ، قال : بل أويس القرني ، وكان يمرُّ بالمزابل ، فيلتقط الرِّقاع ، قال : فصدَّقه أبو عبد الله ، وقال : قد شدَّد على نفسه . ثم قال : قد جاءني البَقْلِيُّ ونحوه ، فقلت لهم : لو تعرضتُم للعمل تُشهِرون أنفسَكم ، قال : وإيشٍ نُبالي من الشُّهرة ؟ (1)
وروى أحمدُ بنُ الحسين بن حسّان عن أحمد أنَّه سئل عن رجل يخرج إلى مكة بغير زادٍ ، قال : إنْ كنتَ تُطيقُ وإلا فلا إلاّ بزادٍ وراحلةٍ ، لا تُخاطر (2) . قال أبو بكر الخلال : يعني : إنْ أطاق وعلم أنَّه يقوى على ذلك ، ولا يسأل ، ولا تَستشرفُ نفسه لأنْ يأخذَ أو يُعطى فيقبل ، فهو متوكل على الصدق ، وقد أجاز العلماء التوكل على الصدق . قال : وقد حجَّ أبو عبد الله وكفاه في حجته أربعة عشر درهماً .
__________
(1) انظر : الورع لأحمد : 48 بنحوه مختصراً .
(2) انظر : تفسير القرطبي 2/411 - 412 بلفظ قال رجل لأحمد بن حنبل : أريد أن أخرج إلى مكة على التوكل بغير زاد ، فقال أحمد : أخرج في غير القافلة فقال : لا ، إلا معهم ، قال : فعلى جرب الناس توكلت ؟
قوله : جرب جمع جراب وهو الوعاء .
● [ الصفحة التالية ] ●
وسئل إسحاق بن راهويه : هل للرجل أنْ يدخل المفازة بغير زاد ؟ فقال : إنْ كان الرجلُ مثل عبد الله بن منير ، فله أنْ يدخل المفازة بغير زاد (1) ، وإلا لم يكن له أنْ يدخل ، ومتى كان الرجل ضعيفاً ، وخشي على نفسه أنْ لا يصبر ، أو يتعرَّض للسؤال ، أو أنْ يقعَ في الشَّكِّ والتسخُّط ، لم يُجز له ترك الأسباب حينئذٍ ، وأنكر عليه غايةَ الإنكار كما أنكر الإمامُ أحمد وغيره على من ترك الكسب وعلى من دخل المفازة بغير زادٍ ، وخشي عليه التعرُّض للسؤال . وقد روي عن ابن عباس ، قال : كان أهل اليمن يَحُجُّون ولا يتزوَّدون ويقولون : نحن متوكِّلون ، فيحجُّون ، فيأتون مكة ، فيسألون الناس ، فأنزل الله هذه الآية : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } (2) (3) ، وكذا قال مجاهدٌ (4) ، وعكرمة (5) ، والنخعي (6) ، وغيرُ واحد من السَّلف (7) ، فلا يُرخَّصُ في ترك السبب بالكلية إلا لمن انقطع قلبُه عن الاستشراف إلى المخلوقين بالكُلية .
وقد رُوي عن أحمد أنَّه سُئل عن التوكُّل ، فقال : قطعُ الاستشراف باليأس من الخلق ، فسُئِلَ عن الحُجة في ذلك ، فقال : قول إبراهيم - عليه السلام - لما عرض له جبريلُ وهو يُرمى في النار ، فقال له : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك ، فلا (8) .
__________
(1) ذكره الذهبي في " سير أعلام النبلاء " 12/317 .
(2) البقرة : 197 .
(3) أخرجه : الطبري قي " تفسيره " ( 2967 ) .
(4) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 2976 ) .
(5) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 2970 ) .
(6) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 2974 ) .
(7) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 2978 ) عن الحسن .
(8) ذكره : ابن مفلح في " المقصد الأرشد " 3/122 ، ولا يخفى أنَّ هذا من الإسرائيليات ، ولم يرد في المرفوع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
● [ الصفحة التالية ] ●
وظاهر كلام أحمد أنَّ الكسبَ أفضلُ بكلِّ حالٍ ، فإنَّه سُئِل عمَّن يقعدُ ولا يكتسِبُ ويقول : توكَّلت على الله ، فقال : ينبغي للناس كُلِّهم يتوكَّلون على الله ، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب (1) .
وروى الخلال بإسناده عن الفُضيل بن عياض أنَّه قيل له : لو أنَّ رجلاً قعد في بيته زعم أنَّه يثق بالله ، فيأتيه برزقه ، قال : إذا وثق بالله حتى يعلم منه أنَّه قد وثق به ، لم يمنعه شيءٌ أراده ، ولكن لم يفعل هذا الأنبياء ولا غَيرُهم ، وقد كان الأنبياء يؤجرون أنفسهم ، وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُؤجِّرُ نفسه وأبو بكر وعمر ، ولم يقولوا : نقعد حتى يرزقنا الله - عز وجل - ، وقال الله - عز وجل - : { وَابْتَغُوْا مِنْ فَضْلِ اللهِ } (2) ، ولابُد من طلب المعيشة .
وقد رُوي عن بشر ما يُشعر بخلاف هذا ، فروى أبو نعيم في " الحلية " (3) أنَّ بشراً سُئِل عن التوكُّل ، فقال : اضطرابٌ بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب ، فقال له السائل : فسِّره لنا حتى نفقهَ ، قال بشر : اضطراب بلا سكون ، رجل يضطربُ بجوارحه ، وقلبُه ساكن إلى الله ، لا إلى عمله ، وسكون بلا اضطراب فرجل ساكنٌ إلى الله بلا حركة ، وهذا عزيزٌ ، وهو من صفات الأبدالِ .
وبكل حال ، فمن لم يصل إلى هذه المقامات العالية ، فلابُدَّ له من معاناة الأسباب لاسيما من له عيال لا يصبرون ، وقد قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( كَفى بالمرءِ إثماً أنْ يُضيِّعَ من يَقُوتُ ) (4) . وكان بشرٌ يقول : لو كان لي عيالٌ لعملتُ واكتسبتُ .
__________
(1) انظر : فتح الباري لابن حجر 11/276 .
(2) الجمعة : 10 .
(3) 8/351 .
(4) أخرجه : أحمد 2/160 و193 و194 و195 ، والنسائي في " الكبرى " ( 9177 ) ، وابن حبان ( 4240 ) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص .
وأخرجه : مسلم 3/78 ( 996 ) ، ولفظه : ( كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وكذلك من ضيَّع بتركه الأسباب حقاً له ، ولم يكن راضياً بفوات حقه ، فإنَّ هذا عاجزٌ مفرِّطٌ ، وفي مثل هذا جاء قولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف ، وفي كُلٍّ خير ، احرص على ما ينْفَعُك ، واستعن بالله ولا تَعْجز ، فإنْ أصابك شيءٌ ، فلا تقولنَّ : لو أنِّي فعلتُ كان كذا وكذا ، ولكن قُلْ : قَدَرُ الله وما شاء فعل ، فإنَّ الَّلو تفتحُ عمل الشيطان ) خرَّجه مسلم (1) بمعناه من حديث أبي هريرة .
وفي " سنن أبي داود " (2) عن عوف بن مالك : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قضى بين رجلين ، فقال المقضي عليه لمَّا أدبر : حسبُنا الله ونِعم الوكيل ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ الله يلومُ على العجز ، ولكن عليك بالكيسِ ، فإذا غلبك أمرٌ ، فقل : حسبي الله ونعم الوكيل ) .
وخرَّج الترمذي (3) من حديث أنس ، قال : قال رجل : يا رسول الله ، أعقلها وأتوكَّل ، أو أُطلقها وأتوكَّل ؟ قال : ( اعقلها وتوكَّل ) . وذكر عن يحيى القطان أنَّه قال : هو عندي حديث منكر (4) ، وخرَّجه الطبراني (5) من حديث عمرو بن أمية ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) في " صحيحه " 8/56 ( 2664 ) ( 34 ) .
(2) 3627 ) ، وإسناده ضعيف بقية بن الوليد يدلس تدليس التسوية وقد عنعن ، وفي الإسناد أيضاً سيف الشامي مجهول تفرد بالرواية عنه خالد بن معدان، وقال النسائي : ( لا أعرفه ) .
(3) في " جامعه " ( 2517 ) .
(4) انظر : علل الترمذي الكبير 1/448 ، وأيضاً نقله في " الجامع " عقب الحديث وعلة الحديث المغيرة بن أبي قرة السدوسي فهو مجهول .
(5) كما في " مجمع الزوائد " 10/291 و303 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وروى الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن ابن عائذ (1) : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنَّ التوكلَ بَعدَ الكَيْسِ ) (2) وهذا مرسل ، ومعناه أنَّ الإنسان يأخذ بالكَيْس ، والسعي في الأسباب المباحة ، ويتوكَّلُ على الله بعد سعيه ، وهذا كله إشارة إلى أنَّ التوكل لا يُنافي الإتيان بالأسباب بل قد يكون جمعهما أفضلَ . قال معاوية بن قرة : لقي عمرُ بن الخطَّاب ناساً من أهل اليمن ، فقال : من أنتم ؟ قالوا : نحن المتوكِّلون ، قال : بل أنتم المتأكلون ، إنَّما المتوكل الذي يُلقي حبَّه في الأرض ، ويتوكَّل على الله - عز وجل - (3) .
قال الخلال : أخبرنا محمد بن أحمد بن منصور قال : سأل المازني بشرَ بنَ الحارث عن التوكل ، فقال : المتوكل لا يتوكَّلُ على الله ليُكفى ، ولو حلَّت هذه القصة في قلوب المتوكلة ، لضجُّوا إلى الله بالندم والتوبة ، ولكن المتوكل يَحُلُّ بقلبه الكفاية من الله تبارك وتعالى فيصدق الله - عز وجل - فيما ضمن . ومعنى هذا الكلام أنَّ المتوكل على الله حقَّ التوكل لا يأتي بالتوكل ، ويجعله سبباً لحصول الكفاية له من الله بالرِّزق وغيره ، فإنَّه لو فعل ذلك ، لكان كمن أتى بسائر الأسباب لاستجلاب الرزق والكفاية بها ، وهذا نوعُ نقص في تحقيق التوكُّل .
__________
(1) هو الربيع بن خثيم يكنى أبا يزيد الثوري الكوفي أحد الأعلام ، أدرك زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأرسل عنه ، كان يعد من عقلاء الرجال ، توفي قبل سنة خمس وستين . انظر : " سير أعلام النبلاء " 4/258 .
(2) ذكره : الديلمي في " مسند الفردوس " 2/77 ( 2435 ) .
(3) ذكره الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول " 1/405 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وإنَّما المتوكلُ حقيقة من يعلم أنَّ الله قد ضَمِنَ لعبده رزقه وكفايته ، فيصدق الله فيما ضمنه ، ويثق بقلبه ، ويحققُ الاعتماد عليه فيما ضمنه من الرِّزق من غير أنْ يخرج التوكُّل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق به ، والرزق مقسومٌ لكلِّ أحدٍ من برٍّ وفاجرٍ ، ومؤمنٍ وكافرٍ ، كما قال تعالى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا } (1) ، هذا مع ضعف كثيرٍ من الدواب وعجزها عن السَّعي في طلب الرزق ، قال تعالى : { وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } (2) .
فما دام العبدُ حيّاً ، فرزقُه على الله ، وقد يُيسره الله له بكسب وبغير كسب ، فمن توكَّل على الله لطلب الرزق ، فقد جعل التوكُّل سبباً وكسباً ، ومن توكَّل عليه لثقته بضمانه ، فقد توكَّل عليه ثقة به وتصديقاً ، وما أحسنَ قول مثنَّى الأنباري وهو من أعيان أصحاب الإمام أحمد : لا تكونوا بالمضمون مهتمِّين ، فتكونوا للضامن متَّهمين ، وبرزقه غير راضين (3) .
واعلم أنَّ ثمرة التوكل الرِّضا بالقضاء ، فمن وَكَلَ أموره إلى الله ورضي بما يقضيه له ، ويختاره ، فقد حقق التوكل عليه (4) ، ولذلك كان الحسنُ والفضيلُ وغيرهما يُفسِّرون التوكل على الله بالرِّضا .
قال ابنُ أبي الدنيا (5) : بلغني عن بعض الحكماء قال : التوكلُ على ثلاثِ درجاتٍ : أولها : تركُ الشِّكاية ، والثانية : الرضا ، والثالثة : المحبة ، فترك الشكاية درجة الصبر ، والرضا سكون القلب بما قسم الله له ، وهي أرفع من الأولى ، والمحبَّةُ أنْ يكون حُبُّه لما يصنع الله به ، فالأولى للزاهدين ، والثانية للصادقين ، والثالثة للمرسلين . انتهى .
فالمتوكل على الله إنْ صبر على ما يُقدِّرُه الله له من الرزق أو غيره ، فهو صابر ، وإنْ رضي بما يُقدر له بعد وقوعه ، فهو الراضي ، وإنْ لم يكن له اختيارٌ بالكليَّة ولا رضا إلا فيما يقدر له ، فهو درجة المحبين العارفين ، كما كان عمر بنُ عبد العزيز يقول : أصبحتُ وما لي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر .
__________
(1) هود : 6 .
(2) العنكبوت : 60 .
(3) ذكره : ابن مفلح في " المقصد الأرشد " 3/19 .
(4) سقطت من ( ص ) .
(5) في " التوكل " ( 46 ) .
● [ تم شرح الحديث ] ●

الحديث التاسع والأربعون Fasel10

جامع العلوم والحكم
لإبن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول . البوابة
الحديث التاسع والأربعون E110


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 11 ديسمبر 2019, 7:12 am