الفصل السادس: نفي السجع من القرآن

شاطر

بنوتات
Admin

عدد المساهمات : 1896
تاريخ التسجيل : 03/11/2013
الموقع : alktaket2@gmail.com

الفصل السادس: نفي السجع من القرآن

مُساهمة من طرف بنوتات في الجمعة 23 نوفمبر 2018, 9:59 pm


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة علوم القرآن
الإعجاز البياني للقرآن الكريم
الفصل السادس
في نفي السجع من القرآن


العلماء نفوا وجود السجع في القرآن
ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن، وذكره أبو الحسن في غير موضع من كتبه.
أثبت غيرهم وجود السجع في القرآن: وذهب كثير من يخالفهم إلى اثبات السجع في القرآن، وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات وما أشبه ذلك، من الوجود التي تعرف بها الفصاحة.
يستدلون على وجود السجع
وأقوى ما يستدلون به عليه: اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هرون عليهما السلام، ولمكان السجع قيل في موضع: هرون وموسى، ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون قيل: موسى وهرون.
السجع غير الشعر
قالوا وهذا يفارق أمير الشعر؛ لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصوداً إليه، وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذي يسمى شعراً، وذلك القدر ما يتفق وجوده من المفحم كما يتفق وجود ه من الشاعر..
قيل السجع في القرآن كثير
وأما ما في القرآن من السجع فهو كثير، لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه، ويبنون الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع.
تعريف السجع
قال أهل اللغة: هو موالاة الكلام على وزن واحد، قال ابن دريد: سجعت الحمامة معناها رددت صوتها. وأنشد:
طرِبتَ فأبكتك الحمامُ السواجِعُ ● تميل بها ضَحْواً غصونُ نوائعُ
النوائع: الموائل، من قولهم نائع، أي متمايل ضعفاً.
الصحيح أنه لا سجع في القرآن
وهذا الذي يزعمونه غير صحيح، ولو كان القرآن سجعاً لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلاً فيها لم يقع بذلك إعجاز.
ولو جاز أن يقال: هو سجع معجز لجاز لهم أن يقولوا: شعر معجز.
وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب? ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر، لأن الكهانة تنافي النبوات وليس كذلك الشعر.
الرسول نهى عن السجع
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذين جاءوه وكلموه في شأن الجنين: " كيف نذي من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس دمه قد يطل ".
فقال: " اسجاعة كسجاعة الجاهلية " وفي بعضها: " أسجعاً كسجع الكهان " فرأى ذلك مذموماً لم يصح أن يكون في دلالته.
ما قدروه أنه سجع فهو وهم
والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام على منال السجع وإن لم يكن سجعاً، لأن ما يكون به الكلام سجعاً يختص ببعض الوجوه دون بعض، لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى.
وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه، بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ، ومتى ارتبط المقصود فيه، وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ، ومتى ارتبط المعنى بالسجع كانت إفادة السجع كإفادة غيره، ومتى ارتبط المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلباً لتجنيس الكلام دون تصحيح المعنى.
فإن قيل: فقد يتفق في القرآن ما يكون من القبيلين جميعاً، فيجب أن تسموا أحدهما سجعاً.
قيل: الكلام في تفصيل هذا خارج عن عرض كتابنا، وإلا كنا نأتي على فصل من أول القرآن إلى آخره، ونبين في الموضع الذي يدعون الاستغناء عن السجع من الفوائد ما لا يخفى، ولكنه خارج عن غرض كتابنا وهذا القدر يحقق الفرق بين الموضعين.
قد يقع في القرآن ما يشبه السجع لكنه غير مقصود
ثم إن سلم لهم مسلّم موضعاً أو مواضع معدودة، وزعم أن وقوع ذلك موقع الاستراحة في الخطاب إلى الفواصل لتحسين الكلام بها، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام، وزعم أن الوجه في ذلك أنه من باب الفواصل، أو زعم أن ذلك وقع غير مقصود إليه، وأن ذلك إذا اعترض في الخطاب لم يعد سجعاً، على ما بينا من القليل من الشعر، كالبيت الواحد والمصراع، والبيتين من الرجز، ونحو ذلك يعرض فيه، فلا يقال إنه شعر، لأنه لا يقع مقصوداً إليه، وإنما يقع مغموراً في الخطاب، فكذلك حال السجع الذي يزعمونه ويقدرونه.
لو كان في القرآن سجع لكان سجعاً قبيحاً
ويقال لهم: لو كان الذي في القرآن على ما يقدرونه سجعاً لكان مذموماً مرذولاً، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه، كان قبيحاً من الكلام.
وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط، متى أخل به المتكلم أو وقع الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة، كما أن الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئاً، وكان شعره مرذولاً، وربما أخرجه عن كونه شعراً.
وقد علمنا أن بعض ما يدعونه سجعاً متقارب الفواصل، متداني المقاطع؛ وبعضها مما يمتد حتى يتضاعف طوله عليه، وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير، وهذا في السجع غير مرضي ولا محمود.
قيل إن في القرآن سجعاً غير ملتزم
فإن قيل: متى خرج السجع المعتدل إلى نحو ما ذكرتموه، خرج من أن يكون سجعاً، وليس على المتكلم أن يلتزم أن يكون كلامه سجعاً، بل يأتي به طوراً، ثم يعدل عنه إلى غيره، ثم قد يرجع إليه.
الجواب على هذا الاعتراض
قيل: متى وقع أحد مصراعي البيت مخالفاً للآخر كان تخليطاً وخبطاً، وكذلك متى اضطرب أحد مصراعي الكلام المسجع وتفاوت كان خبطاً.
وعلم أن فصاحة القرآن غير مذمومة في الأصل، فلا يجوز أن يقع فيها نحو هذا الوجه من الاضطراب، ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع منه لما تحيروا فيه، وكانت الطباع تدعو إلى المعارضة، لأن السجع غير ممتنع عليهم، بل هو عادتهم، فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة? وهو غير خارج عنها، ولا مميز منها? وقد يتفق في الشعر كلام على منهاج السجع، وليس يسجع عندهم، وذلك نحو قول البحتري:
تَشَكًّى الوَجى والليلُ ملتبسُ الدجى ● غُرَيْرِيَّةُ الأنسابِ مَرْتٌ نقيعُها
وقوله:
قريب المدَىَ، حتى يكون إلى الندى ● عدو الـبُنَى، حتى يَكُون مَعَالِي
قيل في القرآن سجع متداخل
ولآتيت بعضهم يرتكب هذا، فيزعم أنه سجع مداخل، ونظيره من القرآن قوله تعالى: (ثَمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُم تَشَاقُّونَ فِيهِمْ).
وقوله: (أَمَرْنا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا).
وقوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ).
وقوله: (وَالتَّوْرَاةَ والاْنجِيلَ، وَرَسُولاً إلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ).
وقوله: (إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي).
الجواب على هذا الاعتراض
ولو كان عندهم سجعاً لم يتحيروا فيه ذلك التحير، حتى سماه بعضهم سحراً، وتصرفوا فيما كانوا يسمونه به، ويصرفونه إليه، ويتهمونه فيه، وهم في الجملة عارفون بعجزهم على طريقه، وليس القوم بعاجزين عن تلك الأساليب المعتادة عندهم، المألوفة لديهم.
والذي تكلمنا به في هذا الفصل كلام على جملة، دون التفصيل، ونحن نذكر بعد هذا في التفصيل ما يكشف عن مباينة ذلك وجوه السجع.
ومن السجع عندهم
ومن جنس السجع المعتاد عندهم قول أبي طالب لسيف بن ذي يزن: " أََنْبَتَكَ مَنْبِتاً طابت أرومتُهُ، وعَزَّت جُرْثُومته، وثَبَتَ أصله، وبَسَقَ فرعُه، ونبت زَرْعه، في أكرم مَوْطِن، وأطيب مَعْدِن ". وما يجري هذا المجرى من الكلام.
القرآن مخالف لنحو هذه الطريقة
والقرآن مخالف لنحو هذه الطريقة، مخالفته للشعر وسائر أصناف كلامهم الدائر بينهم. ولا معنى لقولهم: إن ذلك مشتق من ترديد الحمامة صوتها على نسق واحد وروي غير مختلف، لأن ما جرى هذا المجرى لا يبنى على اشتقاق وحده؛ ولو بني عليه لكان الشعر سجعاً، لأن رويه يتفق ولا يختلف، وتتردد القوافي على طريقة واحدة، وأما الأمور التي يستريح إليها الكلام فإنها تختلف.
ربما كان قافية أو فواصل
فربما كان يسمى قافية، وذلك إنما يكون في الشعر،وربما كان ما ينفصل عنده الكلامان يسمى مقاطع السجع. وربما سمي ذلك فواصل، وفواصل القرآن مما هو مختص بها لا شركة بينه وبين سائر الكلام فيها ولا تناسب.
سبب تقديم موسى على هارون أو العكس
وأما ما ذكروه من تقديم موسى على هارون عليهما السلام في موضع، وتأخيره عنه في موضع، لمكان السجع، ولتساوي مقاطع الكلام، فليس بصحيح، لأن الفائدة عندنا غير ما ذكروه، وهي أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدي معنى واحداً، من الأمر الصعب الذي تظهر فيه الفصاحة، وتتبين فيه البلاغة، وأعيد كثير من القصص في مواضع مختلفة، على ترتيبات متفاوتة، ونبهوا بذلك على عجزهم عن الاتيان بمثله، مبتدأ به ومكرراً.
ولو كان فيهم تمكن من المعارضة لقصدوا تلك القصة، فعبروا عنها بألفاظ لهم، تؤدي تلك المعاني وتحويها، وجعلوها بازاء ما جاء به، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه، وإلى مساواته فيما جاء به. كيف وقد قال لهم: (فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثً مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ).
فعلى هذا يكون المقصد بتقديم بعض الكلمات وتأخيرها إظهار الإعجاز على الطريقين جميعاً، دون التسجيع الذي توهموه.
قيل القرآن مختلط من أوزان كلام العرب
فإن قال قائل: القرآن مختلط من أوزان كلام العرب، ففيه من جنس خطبهم، ورسائلهم، وسجعهم، وموزون كلامهم الذي هو غير مقفى، ولكنه أبدع فيه ضرباً من الابداع لبراعته وفصاحته.
الجواب على هذا الاعتراض
قيل: قد علمنا أن كلامهم ينقسم إلى: نظم، ونثر، وكلام مقفى غير موزون، ونظم موزون ليس بمقفى كالخطب والسجع، ونظم مقفى موزون له روي.
ومن هذه الأقسام ما هو سجية الأغلب من الناس، فتناوله أقرب، وسلوكه لا يتعذر.
ومنه ما هو أصعب تناولاً كالموزون عند بعضهم أو الشعر عند الآخرين، وكل هذه الوجوه لا تخرج عن أن يقع لهم بأحد أمرين: إما بتعمل وتكلف وتعلم وتصنع، أو باتفاق من الطبع، وقذف من النفس على اللسان للحاجة إليه، ولو كان ذلك مما يجوز اتفاقه من الطبائع، لم ينفك العالم من قوم يتفق ذلك منهم، ويتعرض على ألسنتهم، وتجيش به خواطرهم، ولا ينصرف عنه الكل مع شدة الدواعي إليه، ولو كان طريقه التعلم لتصنعوه ولتعلموه، فالمهلة لهم فسيحة والأمد واسع.
كيف نشأ الشعر عند العرب
وقد اختلفوا في الشعر كيف اتفق لهم? فقد قيل: إنه اتفق في الأصل غير مقصود إليه، على ما يعرض من أصناف النظام في تضاعيف الكلام. ثم لما استحسنوه واستطابوه، ورأوا أنه تألفه الأسماع، وتقبله النفوس، تتبعوه من بعد وتعملوه.
وحكى لي بعضهم عن أبي عمر غلام ثعلب عن ثعلب: أن العرب تعلم أولادها قول الشعر بوضع غير معقول يوضع على بعض أوزان الشعر كأنه على وزن:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ويسمون ذلك الوضع المتير واشتقاقه من المتر وهو الجذب أو القطع يقال: مترت الحبل بمعنى قطعته أو جذبته، ولم يذكر هذه الحكاية عنهم غيره فيحتمل ما قاله.
أقوال أخرى في نشأة الشعر
وأما ما وقع السبق إليه فيشبه أن يكون على ما قدمنا أولاً، وقد يحتمل على قول من قال بأن اللغة اصطلاح أنهم تواضعوا على هذا الوجه من النظم.
وقد يمكن أن يقال مثله على المذهب الآخر، وأنهم وقفوا على ما يتصرف إليه القول: من وجوه التفاصح، أو توافقوا بينهم على ذلك.
ويمكن أن يقال: إن التواضع وقع على أصل الباب، وكذلك التوقيف، ولم يقع على فنون تصرف الخطاب، وأن الله تعالى أجرى على لسان بعضهم من النظم ما أجرى، وفطنوا لحسنه فتتبعوه من بعد، وبنوا عليه وطلبوه، ورتبوا فيه المحاسن التي يقع الاضطراب بوزنها، وتهشُّ النفوس إليها، وجمع دواعيهم وخواطرهم على استحسان وجوه من ترتيبها، واختيار طرق من تنزيلها، وعرفهم محاسن الكلام، ودلهم على كل طريقة عجيبة.
أعلمهم الله عجزهم عن القرآن ليكون دلالة على النبوة
ثم أعلمهم عجزهم عن الإتيان بالقرآن، والقدر الذي يتناهى إليه قدرهم، هو ما لم يخرج عن لغتهم، ولم يشذ من جميع كلامهم، بل قد عرض في خطابهم ووجدوا أن هذا إنما تعذر عليهم مع التحدي والتقريع الشديد، والحاجة الماسة إليه، مع علمهم بطريق وضع النظم والنثروتكامل أحوالهم فيه، دلالة على أنه اختص به، ليكون دلالة على النبوة، ومعجزة على الرسالة. ولولا ذلك لكان القوم إذا اهتدوا في الابتداء إلى وضع هذه الوجوه التي يتصرف إليها الخطاب على براعته وحسن انتظامه، فلأن يقدروا بعد التنبيه على وجهه، والتحدي إليه، أولى أن يبادروا إليه، لو كان لهم إليه سبيل.
لو كان أمر القرآن كما قال المعترض لم يتحيروا في أمرهم
فلو كان الأمر على ما ذكره السائل لوجب أن لا يتحيروا في أمرهم، ولا تدخل عليهم شبهة فيما نابهم، ولكانوا يسرعون إلى الجواب، ويبادرون إلى المعارضة، والأسباب التي لا يحتاج إليها، فيكثر فيها من شعر ورجز، ونجد من يعينه على نقله عنه، على ما قدمنا ذكره: من وصف الإبل، ونتاجها، وكثير من أمرها، لا فائدة في الاشتغال به في دين ولا دنيا.
إنهم كانوا يتفاخرون باللسن والذلاقة فلماذا يتحيرون
ثم كانوا يتفاخرون باللسن والذلاقة والفصاحة والدراية، ويتنافرون فيه، وتجري بينهم فيه الأسباب المنقولة في الآثار على ما لا يخفى على أهله. فاستدللنا بتحيرهم في أمر القرآن على خروجه عن عادة كلامهم، ووقوعه موقعاً يخرق العادات، وهذه سبيل المعجزات.
الفواصل لا تدخل في باب السجع
فبان بما قلنا أن الحروف التي وقعت في الفواصل موقع النظائر التي تقع في الأسجاع، لا يخرجها عن حدها، ولا يدخلها في باب السجع. وقد بينا أنهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء، فكان بعض مصاريعه كلمتين، وبعضها تبلغ كلمات، ولا يرون في ذلك فصاحة، بل يرونه عجزاً.
لو رأوا أن ما تُلِيَ عليهم هو سجع لعارضوه
فلو رأوا أن ما تُلِيَ عليهم من القرآن سجع لقالوا: نحن نعارضه بسجع معتدل، فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن، ونتجاوز حده في البراعة والحسن. ولا معنى لقول من قدر أنه ترك السجع تارة إلى غيره ثم رجع إليه، لأن ما تخلل بين الأمرين يؤذن بأن وضع الكلام غير ما قدروه من التسجيع، لأنه لو كان من باب السجع لكان أرفع نهاياته وأبعد غاياته.
لابد لمن جوّز السجع أن يسلم بقول الصرفة
ولابد لمن جوز السجع فيه وسلك ما سلكوه من أن يسلم ما ذهب إليه النظّام، وعباد بن سلمان، وهشام الفوطي، ويذهب مذهبهم في أنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضرباً من الصرف. ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى، ومن أنواع مختلفة، ينقسم إليها خطابهم، ولا يخرج عنها، ويستهين ببديع نظمه، وعجيب تأليفه، الذي وقع التحدي إليه.
وكيف يعجزهم الخروج عن السجع، والرجوع إليه، وقد علمنا عادتهم في خطبهم وكلامهم، أنهم كانوا لا يلزمون أبداً طريقة السجع والوزن، بل كانوا يتصرفون في أنواع مختلفة، فإذا ادعوا على القرآن مثل ذلك لم يجدوا فاصلة بين نظمي الكلامين.


مُختصر: كتاب إعجاز القرآن
تأليف : الباقلاني
منتديات الرسالة الخاتمة . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 17 ديسمبر 2018, 10:25 am